أضغاث احتلال

2022-09-07 18:47:17 قصص و حكايات ...













أضغاث احتلال
عمّ يتهامسون؟!
ما سبب تلك الضّجة هناك؟!
لعلّه عرس!
أغمضتُ عينيّ تحت ظلّ الزيتون الوارف..
تلك الشجرة تعرفني جيداً, 
وترقصُ كلّما اتكأتُ على جذعها..تصدرُ حفيفاً لطيفاً كأنّها تحتضنني..
هذه المرّة..لم يكن صوتها كالمعتاد..
يجوز أنها حزينة، لابدّ أنّ أحد الأطفال الأشقياء أثكلها بأحد أغصانها.
أيقظني صوت المؤذن في المسجد:حيّ على الصلاة..
هذه الجملة بعذوبة لحن شاديها، كفيلة  بسبي قلوب العاشقين للأقصى ,
ليأتوا من جميع أرجاء المدينة لتلبية النداء.
قمتُ مهرولًا مع جموع المتّجهين إلى المسجد..صلينا الفجر جماعة.
بعد خروجنا سمعتُ من حارة النصارى المجاورة لحارتنا أجراس كنيسة القيامة تقرع.
كانت فرصة جميلة لإشعال شمعة حبّ مع إخواننا المسيحيين,
صادفتُ صديقي جرجس على باب الكنيسة.
_أحمد في حينا ! يا مرحباً بك.
صافحَني ودخلنا إلى الكنيسة,أدّى واجبه وطقوسه,شاركته بإشعال شمعة,
تمنّينا أن تبقى قدسنا هكذا جميلة مفعمة بالسلام والجمال.
خرجنا سويا,
دعاني ليتناول برفقتي حلوى (المطبق)عند زلاطيمو .
بعد انتهاءنا,اقترح جرجس أن نتابع طريقنا إلى حارة اليهود,بلغَه أنّ صديقه موسى مريضاً ويجب أن يعودَه.
رافقتُه إلى بيت موسى, وهو شاب عشريني مثلنا,
كان يتحدّث عن بعض جيرانه ممتعضاً فهم يعتبرونه خارجاً عن الدين ,
 لأن لديه العديد من الأصدقاء من ديانات أخرى.
قال:منذ متى نسأل أحداً.. من نبيك؟ وأي الأديان تعتنق؟ قبل أن نقل له مرحباً؟
ابتسمنا موافقينه الرأي,قلتُ له:مارأيك أن أخمد غضبك هذا بفنجان قهوة في أحد مقاهي سوق العطارين؟
استضحكتُه وهزّ رأسه مشاطرني رأيي.
اتّجهنا نحو مقهى أبو أحمد صيام..تعرفنا على بعضنا أكثر,نظر موسى إلى جميع تفاصيل المقهى وقال: ستشهد هذه الجدران أن لاشيء أجمل من المحبة..انظرا..ثلاثة عقول بميول مختلفة,لثلاثة أشخاص يعتنقون ديانات متباينة تتصارع على مرّ العصور,تجمعهم طاولة صغيرة وفناجين قهوة لذيذة.
لا أدري ما الذي يجعل الناس يتباغضون ويحكمهم العِداء والفِرقة وهم بإمكانهم أن يكونوا مثلنا ,أصدقاء تحتضن أرواحهم أرض مقدسّة وحبّ إلهٍ عادل وبعض الأشياء اللطيفة كهذا المقهى مثلا.
أعجبني كلامه وعمق أفكاره,
يشبهني عندما أفكّر بجمع آلام البشريّة ووضعها في علبة ورميها خارج الكوكب,فتُغمر الأرض بالسّلام المقدسي الذي نعيشه.
كسرتْ صمتي نكزة من جرجس قائلا:لقد قرصني الجوع,
خذوني أطعموني لكيلا ألتهمكم.
هزِقنا وهممنا متّجهين نحو أحد مطاعم الكباب الشعبية,مطعم صغير جداً في سوق العطارين,جلسنا نأكل،رحت أتخيل، 
لوكان بإمكاني شطر هذه السندويشة وإطعام جميع الجائعين في الأرض.
قلت جملتي الأخيرة بصوت عالٍ 
,سمعت قهقهة موسى وجرجس قائلين:ماذا تريد؟!
_لاشيء !
_جرجس:لقد فضحك عقلك ولم يكتم أقاويلك الخفيّة.
_موسى:هل تظن أن هذه التصبيرة التي تحملها ستشبعك لتشبع سائر الخليقة؟!
_نعم,لقمة واحدة قادرة على إشباع جوع البطون,
لكن لاأدري إن كانت العقول خاوية,والقلوب ضوّرتها المجاعة ماالذي قد يشبعها؟!
صمتَ صديقاي لبرهةٍ،
أضاف جرجس:معك حق ياصديقي,لكن أرجوك.. كفَّ عن حمل همّ الأرض على ظهرك,
اهتم لنفسك ولمن يهمّك أمرهم, يجوز أن يأتي يوماً,وتندم أنّك عشتَ حياتك مكرساً إيّاها  تفكّر بهذا وذاك وناسياً نفسك ومن تحب.
شعرتُ بضيقٍ شديد في التّنفس.. 
سحبتُ شهيقاً لكني لم أستطع زفره إلّا بصعوبة. 
أخرجاني من المطعم، حاول موسى أن يلطّف جوّ روحي بدعابةٍ لطيفة, أبكتني ولم تضحكني.
_ماذا دهاكَ يا أحمد؟ قال جرجس.
_لاشيء ياصديقي,إرهاصات من الذعر والقلق المستقبلي لا أكثر.
_جرجس:هل انا المسبّب؟
_بل أنت من أيقظ مشاعراً كانت تقبع في قعر روحي ولم  أعيرها أهميتها.
_أحمد..ما الذي غيّر لونك وأخافك الى هذا الحد؟ قال موسى.
_آه.. 
لا أدري لِمَ شعرتُ أنني وصلتُ إلى ذلك اليوم.. 
وقد خسرتُ جميع من أحب,
 ولم أستطع أن أُسعد أحداً ولو برسم ابتسامة على وجهه.
جرجس:أظنّ أنّ جولتنا التي امتدت منذ بزوغ الفجر وحتى الآن قد أرهقتكَ ويجب أن ترتاح.
أكّدتُ  كلامه هازّاً برأسي.
اصطحباني إلى منزلي،ودعتهم, ودخلت إلى غرفتي,كجثّة هامت روحها استلقيتُ على فراشي.
سمعتُ صراخ وعويل قادم من بيت جيراننا وكلام غريب لم أفهمه.
أسرعنا إلى الخارج,حفنة جنود صهاينة، 
يُخرجون جيراننا قسراً وقد استولوا على بيتهم.
_ما الذي يحدث؟
أنتَ أيّها المغفّل,بأيّ حقّ تستحلّ بيتاً ليس ملكك؟
أسكتَني ذلك الجندي اللعين بركلةٍ على ظهري من مقبض البندقّية التي يستلّها بوجه أشخاص عُزّل.
ثم تمتمَ بكلمات عبريّة لحاشيته,ليداهموا منزلنا أيضاً.. 
أرغمَنا على مغادرة بيتنا, غدا كلّ مانملكه الآن هو المفتاح،مفتاح بيتنا. 
غيّروا الأقفال ووضعوا أسلاكاً شائكة وباباً حديدياً يحولُ بيننا وبين منزلنا.
ذهبتُ إلى شجرة الزيتون,صديقتي التي تقاسمني كلّ لحظاتي منذ الطفولة، لم أرَ سوى بقايا جذع كهل.
احتضنتُ مفتاحي ورفات شجرتي,كفكفتُ دموعي,واسيتُ حزني بالأمل الموعود،ككلّ مقدسي وفلسطيني,أن نرجع إلى بيوتنا كما كنّا.
أن تعود الصداقة بين أحمد وجرجس وموسى.
نعم، سنعود إلى دارنا,ونصلّي في القدس,سنضيء الشموع في الكنيسة، ونتآخى مع كل ذي قلب سليم مهما كان معتقده. 
ستزهر كرومنا بعيداً عن الربيع المشؤوم،
يرونه بعيدا ونراه قريبا.
بتول حسين سيفو

















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق