حبُّ في فكِّ وحش

2022-09-23 18:56:14 شعر و أدب ...











ربيع دهام
سامحني حبيبي.
فأنا في هذه المعمعة التي يسمّونها دنيا مُربكٌ ومحتارُ.
أولويّاتي الحياتية لم أعد أعرفها.
أهي الحبُّ؟ أو المال؟ أو الزواج؟ أو كبسولة الدواء؟
أو هي البقاء حيّاً ... على قيد الفناء؟
أو ربطة الخبز التي، مثل كلبٍ مدجّنٍ، تقتادني إلى أين تشاء؟
جهاز الخلوي الذي يشدني من أصابع يدي، ويجرجرني
في بيداء نفسي، مثل راعٍ وقطيع؟
الخريفُ الذي يختمرُ في داخلي، كذئب ليلى ينتعل حذاء الربيع.
صدِّقني يا حبيبي. صدِّقني.
لم أعد أميّز في هذا الزمنِ بين الفرحِ والحزنِ.
وبين النارِ والصقيعْ.
مصابٌ أنا باللاشعورِ. باللامبالاة.
باللا اكتراث.
وهذه أبشع مواصفات الزمن الوضيع.
أركضُ إلى قلعةِ غرفتي. أسجنُ نفسي فيها،
كي أحسُّ بالحريّة.
أخرج إلى الشوارع، تطوّقني الزنازين من كل حدبٍ وصوب.
ألتحف الشمسَ .. أبردُ.
أتغطى بالبردِ .. يلتهم مساماتي الحَرُّ.
أعود لغرفتي.
أدير التلفاز.
أنتقي برنامجاً كوميدياً لأضحك.
يصطادني البكاء.
وليس هذا فقط.
بل يضحك البرنامج الكوميدي عليَّ. يقرقر.
يقهقه. تطقُّ خواصره من الزهزقة.
أنا الذي ظننتَه يضحك ليسلّيني. ليضحكني. ليفتّت صوّان حزني.
تراه يضحك على حالتي. على ضياعي. على فاجعتني.
أتذكر يا حبيبي؟ أتذكر القصص القديمة؟
ومعاناة الناس آنذاك الأليمة؟
وكم كان أهل الضيع يخشون تلك الوحوش التي تنقض عليهم في البراري؟
وحوشٌ كاسرة يسمّونها "ضباع".
ضباع؟
كم تضحكني تلك الكلمة اليوم.
كم بتُّ أستهزئ بتلك "الوحوش".
وكم بتنا نفتقد اليوم لأنيابهم ومخالبهم "المسالمة".
كم هي أجمل وألطف من ذاك الوحش الأكبر الذي يلتهم أعمارنا اليوم.
وحشٌ يغرز أنيابه، لا في لحمنا، بل في عيشنا.
ينهشُ لا جلدنا، بل أحلامَنا.
يخيف لا قلوبنا، بل مستقبلنا.
وحشٌ كاسرٌ فتّاكٌ اسمه "ضياع".
يا إلهي!
هل تدري؟ هل تدري مفعول نقطة واحدة زائدة
على حرفٍ في كلمة؟
وماذا تفعل تلك الكلمة المتغيّرة في الجملة؟
كم تغيّر معناها؟ كم تبدّل فحواها؟
أتدرك ما تأثير الجملة المتبدلة تلك في الصفحة؟
وكيف تستعمر الصفحة الجديدة الكتاب القديم، فتبدّل معالمه؟
نعم يا حبيبي. صفحة واحدة. صفحة واحدة فقط غيِّرها، وقد تدمّر كل ركائز الكتاب، كتاب حياتنا القديمة، وتكتب على أنقاض ركامها، كتابُ حياةٍ جديدة.
حياةٌ لا معنى لها سوى الركضِ وراء العيشِ. ولقمة العيش. وفواتير العيش.
يا إلهي يا حبيبي.
أأدركتَ الآن كم هي خطيرة مسألة وضع النقاط على الحروف؟
أأدركت اليوم أننا نعيش في عالمٍ قد طارت فيه النقاط عن حروفها، وغطّت هناك، بعيداً هناك، على أغصان البورصات العالمية؟
حيث أمست النقاط دولارات في جيوب "الكبار".
اشتروا بالنقاط "المُدَولرة" حروفاً، غيّروا بها كل حياتنا.
وهذا أنا ذا أكتب لك، يا حبيبي، وأحكي.
أضع ما تيسّر من نقاطٍ على الحروف لأقول لك.
لأحكي لك. لأسرد لك. لأشكو لك.
لأبوح. لأتوسّل إليك.
لا تزعل مني أرجوك. ولا تغضب.
ولا تحزن إذا ما رأيتني، مثل حبّة الفُشار، ضائعاً تائهاً لا ألوي على شيء.
أم أنك ضائعٌ مثلي يا حبيبي؟
ويفترسك مثلما يفترسني، وحش هذا الزمن الكاسر؟
أحبك يا حبيبي، لكني لم أعد أعرف، صدِّقني، ما هي العِشرة وما هو الحب.
وما هو الوفاء وما هو الفناء.
أنا أكتب.
أكتب فقط، علّ إحدى نقاطي الحبرية، تتساقط صدفةً عن حروفها،
فتضيع مثلي في فسحة الصفحات، تتشّرد، تنزح، تبحر لشواطىء حروفٍ بعيدة، تغرز بذارها في تربتها، تلقّحها، فتكتب لنا، وللدنيا،
أزاهير حياةٍ جديدة.

















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق