مقهى ريكس بالدار البيضاء المستوحى من فيلم كازابلانكا رضوان السائحي

2022-08-31 20:56:40 فن و سينما ...







يعتبر فيلم "كازابلانكا" الذي أنتج عام 1942 للمخرج (مايكل كورتيز)، وبطولة (همفري بوغارت)، و(إنجريد برغمان)، من أفضل الأفلام في السينما العالمية، والذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم عام 1944، وثانية لأفضل مخرج، وثالثة لأفضل سيناريو مقتبس. ويعد هذا العمل الفني  الأعظم في تاريخ السينما العالمية، وكان مرشحا لثماني جوائز أوسكار منها أحسن ممثل، وأحسن موسيقى، وأحسن تصوير، وأحسن مونتاج، وأحسن ممثل مساعد. ورغم أن عنوان الفيلم يحمل اسم مدينة الدار البيضاء المغربية، وتدور أحداثه في هذه المدينة، إلا أنه لم يصور فيها كما يعتقد البعض، وإنما صور في استوديوهات هوليود. وهو مستوحى من مسرحية "الجميع يؤم مقهى ريك" (Everybody comes to Rick’s) ل"موراي بارنيت، و(جون أليسون).

قصة الفيلم:

تدور أحداث الفيلم خلال الحرب العالمية الثانية في مدينة الدار البيضاء التي كانت تحت الاحتلال الفرنسي. وكانت بها حامية فرنسية، وعندما احتل الألمان فرنسا أبقوا تلك الحامية على ما هي عليه تسهر على تنظيم شؤون المغرب تحت السلطة الألمانية مباشرة. وعرف المغرب خلال تلك الفترة توافد عدد كبير من الأوربيين إلى دول شمال إفريقيا (خاصة المغرب والجزائر وتونس) هروبا من أهوال الحرب.

وتدور مجمل أحداث الفيلم الرئيسية في ملهى ليلي يملكه مواطن أمريكي يدعى (ريك) فر بدوره من باريس رفقة صديقه (سام)، بعدما أدرج في اللائحة السوداء لدى الألمان بسبب مساندته للفرنسيين. ويعتبر هذا الملهى ملتقى السياسيين والمثقفين وشخصيات اجتماعية أجنبية. ويتميز (ريك) بشخصيته الغامضة والساحرة والقوية، ومن أجل حماية مصالحه في تسهيل تسييره لهذا الملهى يقبل بالتعاون مع الفرنسيين في بذل مجهوده لإبقاء أحد الناشطين (فيكتور لازلو) ومنعه من المغادرة من المغرب، وهو زعيم كبير في حركة المقاومة ضد ألمانيا. لم يتمكن من الحصول على خطابي مرور رفقة زوجته من المصادر الرسمية بشكل قانوني. لكنه يفاجأ بذلك الناشط يصطحب معه (إليسا) المرأة التي التقى بها أثناء تواجده بباريس وأحبها حبا شديدا، والتي قرر أن يغادر باريس رفقتها، فاتفق معها على موعد بمحطة القطار فتخلفت عن المجيء، وبعثت له برسالة تعتذر له فيها عن عدم مرافقته، وتطلب منه أن ينساها، فترك هذا جرحا غائرا في قلبه، جعله ينطوي على نفسه ويعتزل الناس.

تنفرد به حبيبته القديمة وتوضح له سبب تخلفها عن مرافقته، ذلك أنها كانت متزوجة بالناشط الذي برفقتها، وكان معتقلا لدى الألمان واعتقدت أنه لقي حتفه، وعندما التقت ب(ريك) كانت وحيدة وضائعة لذلك أحبته حبا شديدا، وأثناء استعدادها لمغادرة باريس علمت بأن زوجها لا زال على قيد الحياة، ويبحث عنها. لهذا السبب اعتذرت إليه وتخلفت عن مرافقته.

لكن (ريك) لم يتفهم هذا التوضيح واستمر في معاملتها بقسوة وجفاء، وكان زوجها يحاول الحصول على خطابين أصليين للمرور يتيح لهما الخروج من المغرب في اتجاه أمريكا، وكان يعلم أن الخطابين بحوزة (ريك) موقعين من أحد الجنرالات. ورغم محاولته لأخذهما منه إلا أن ريك رفض ذلك بشدة. وفي محاولة أخرى هددته (إليسا) بالمسدس في محاولة يائسة لأخذهما منه. لكن (ريك) شجعها على ذلك حتى تخلصه من حياته البائسة بعدما هجرته وتركت جرحا غائرا في قلبه لا يشفى. ويعتبر هذا المشهد من أقوى مشاهد الفيلم تأثيرا حيث تجد كلمات (ريك) وقعها القوي في قلب (إليسا) فتنهار، ويتعانقا فتتأجج عاطفتهما من جديد، وتطلب منه أن يتدبر أمر خروجها مع زوجها من المغرب، وأنها لا تستطيع أن تهجر زوجها لأنه يحبها ويضحي من أجلها، وفي نفس الوقت أعربت عن حبها ل(ريك) وتتمنى العيش معه.

يضحي (ريك) بحبه ويقرر مساعدة (إليسا) وزوجها فيتدبر حيلة في خروجهما من المغرب بالسفر بالطائرة في اتجاه أمريكا، وعندما همت بركوب الطائرة رفقة زوجها خاطبت (ريك) قائلة: كيف سأعيش بدونك؟ فيرد قائلا: ستظل باريس معنا".



تميز الملهى الليلي بمنظر البيانو الذي احتل إحدى زواياه، وعندما قدمت (إليسا) لأول مرة إلى الملهى طلبت من (سام) أن يعزف أغنيته (As Time Goes By) بعدما سألت عن أخبار (ريك)، فلما سمعه (ريك) تقدم نحوه غاضبا مؤنبا، لأنه حذره من قبل أن يعزف أغنيتهما المشتركة كي لا تثير المزيد من آلام الحب لديه. إلا أن (سام) يتخلص من هذا الموقف بأن أشار إلى (إليسا) التي طلبت منه ذلك. وفي مشهد آخر يطلب (ريك) بدوره من (سام) عزف نفس الأغنية قائلا في غضب: "لقد عزفتها لها، والآن عليك أن تعزفها لي كذلك. إذا كانت قد استطاعت أن تتحمل ثقل الوطأة عليها، فأنا أيضا بمقدوري أن أتحمل كذلك".

وأعطى فضاء الملهى سحرا فنيا للفيلم من خلال الأحداث التي دارت فيه، وخاصة اللمسات المعمارية الداخلية، وعندما كان السياح الأوربيين، ولا سيما الأمريكيين، يزورون مدينة الدار البيضاء يستفسرون عن مكان هذا المقهى، فلا يجدون له أثرا يذكر، إلى أن قامت مواطنة أمريكية تدعى "كاثي كرايغر" في 1 مارس 2004 بافتتاح مقهى كبير في هذه المدينة مستوحى من الملهى الليلي الذي كان يمتلكه ويديره بطل الفيلم (ريك)، وأطلقت عليه اسم (RICK’S CAFE).

وكانت (كاثي) تعمل في سفارة بلدها في المغرب، وبعد انتهاء مهمتها في السلك الديبلوماسي قررت افتتاح هذا المقهى الذي كلفها حوالي المليون دولار، والذي يتميز بثلاث واجهات، الواجهة الرئيسية تطل على الشارع، والثانية تطل على المحيط الأطلسي، في حين تطل الواجهة الثالثة على زقاق ضيق مخصص لخدمات المقهى.



وتم تصميم هذا المقهى لتخليد الملهى الليلي في الفيلم في فيلا بأسلوب رياض تقليدي جنب جدار المدينة القديمة من طرف مصمم أمريكي والذي حرص على نقل مجمل التفاصيل المعمارية التي احتوت عليها لمقهى في الفيلم مثل الأقواس المنحنية والمنضدة المنقوشة والشرفات والدرابزين والمصابيح مزينة بالخزر والزجاج الملون،  ووضعت مصابيح نحاسية على الطاولات مصممة خصيصا من قبل (بيل ويليس)، ومختلف الإكسسوارات التي تنم عن مهارة الحرف اليدوية لمغربية والعربية أضفت على فضاء المقهى بعض التفاصيل التراثية تجمع مختلف اللمسات العربية برؤية غربية. هذا بالإضافة إلى الرخام المنحوت والجبس المصبوغ عبر تقنية فن "تدلاكت" المغربي أضفت على جدران المقهى رونقا خاصا، واستخدم الزليج المغربي في الدرج الرئيسي، وطعمت الأرضية ببلاط جميل.

  وحرصت صاحبة المقهى على وضع البيانو، الذي كان من ضمن الإكسسوارات الرئيسية في الفيلم، من طرف شركة (بلايال) وهو بيانو أصلي من ثلاثينيات القرن الماضي، وكثيرا ما يطلب رواد المقهى عزف أغنية "على مر الزمن" (As Time Goes By) من عازف البيانو. وتُقدم فقرات موسيقية عبر برنامج خاص، حيث يتم عزف مختارات من موسيقى الجاز من الأربعينيات والخمسينيات، وأغاني فرنسية واسبانية وبرازيلية. إضافة إلى أغنيات خالدة مثل "وقت الصيف" (Summer Time) و"هذه السيدة متشردة" (The Lady is a Tramp) و"القمر الأزرق" (Blue Moon) وغيرها من الأغاني الكلاسيكية. وذلك من الثلاثاء إلى الأحد. في حين تُخصص ليلتي الجمعة والأحد انضمام الهواة الموسيقيين المسافرين إلى العازف الأصلي للمقهى، وارتجال مقطوعات جاز مختلفة.
















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده




افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق