تأثير الصورة الرقمية في حياتنا اليومية

2022-08-28 17:08:28 تكنولوجيا ...









ما كان لصورة السيناتور الأمريكي "بيرس ساندرز" وهو جالس على كرسي بسيط ملتزما ببروتوكول التباعد الاجتماعي أثناء حفل تنصيب


الرئيس الأمريكي "جون بايدن" أن تثير اهتمام العالم لو لم يصادف الحدث جائحة كورونا التي يعرفها العالم، حيث جلس السيناتور البالغ من العمر 79 عاما، على

الكرسي مرتديا معطفا شتويا أخضر اللون، ومثنيا ذراعيه، وواضعا يديه في قفازين محبوكين من الصوف.



فلو كان الحدث قبل زمن كورونا، ما كان ليثير هذه الضجة الإعلامية، ولما انتبه إليه أحد من الحضور، ولاختفى طيفه بين الجالسين. لكن


التزامه بالتباعد الاجتماعي المتعلق بالإجراءات المتخذة بسبب كوفيد 19 عزله عن الحشد الحاضر مما أثار انتباه الإعلاميين كي يلتقطوا صورته الأقرب إلى المشهد السوريالي، وتنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، واستعان المهتمين بصورته ببرامج تعديل الصور الرقمية، واستغلوها سياسيا، فتم وضع صورته ضمن صور تاريخية شهيرة مثل صورته وهو يجلس بين قادة الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وجالسا على سطح القمر، وفي موضع الذبابة التي حطت على شعر نائب الرئيس (مايك بنس) خلال مناظرته مع نائبة الرئيس (كمالا هاريس)، واستبداله بصورة المنصة الخشبية الشهيرة التي تمت سرقتها خلال أحداث اقتحام الكونغرس. كما ظهرت صورته في عشرات الصور الملتقطة من الأفلام الشهيرة، ووضع صورته إلى جانب صور العديد من الأمريكيين.

إن الانتشار السريع لكل حدث عبر العالم بواسطة الصورة يعبر على مدى اعتماد الإنسان المعاصر على هذه الواسطة التكنولوجية الرقمية في نقل الوقائع والأحداث والتعبير عن مواقفه وآرائه لما لهذه التقنية الفنية من ثراء إيحائي ودلالي تطبيقا لقولة الروائي الروسي (إيفان تورغينيف): "إن الصورة الواحدة قد تعرض ما لم يستطع كاتب أن يقوله في مائة صفحة" فالصورة«أيا تكن صورة، وإن سمحت الظروف، قد تصبح وسيلة مهمة وفعالة وقوية لتكون خير شاهد يظهر أفراح العالم وأتراحه، وإن جرى تناقلها مرارا، يمكن أن تكسب شهرة واسعة»(1)  فالصورة-بشقيها الصورة الفوتوغرافية والفيديو- تعتبر أهم الابتكارات التي استطاع الإنسان بواسطتها الحصول على شكل مماثل لشيء معين أو حدث معين في زمان ومكان معينين عادة ما يكون مرتبطا بجسم أو أجسام مادية أو شخص أو عدة أشخاص. وتمتد جذور كلمة صورة (Image) بجذورها إلى الكلمة اليونانية، والتي تشير إلى التشابه والمحاكاة (2) وهي تنقل عددا كبيرا من المعطيات الثقافية والاجتماعية والفكرية، وحتى الدينية، كما تتقاطع في أغلب الأحيان مع مجالات علمية كعلم الأحياء والكيمياء والطب، ومجالات اجتماعية كالتاريخ، وعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا) والوسيطية (Médiologie) من دون أن ننسى المجالات النفسية والنفسانية، مع ما تمارسه الصورة من تأثير على المشاهد، وما يسقطه هذا الأخير من تفسير على الصورة في حد ذاتها (3).

لقد هيمنت الصورة في العصر الحديث على حياتنا اليومية، وغدت أهم الأدوات الفنية للمعرفة ونافذة تطل على مختلف نشاطاتنا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية... بواسطتها يسهل علينا الاتصال بالعوالم الخارجية ومواكبة مختلف الأحداث بشكل مباشر، أو إن صح التعبير بشكل حقيقي-واقعي دون الحاجة إلى وصفه بالكلمات أو التعليق عليه بالكلام. وهي في ذات الوقت باتت تحفز انتباه المتلقي/ المشاهد وتلفت أنظاره إلى حدث معين، وبات تأثيرها واضحا على المشاهد، ومن خلال مخاطبته فكريا وعاطفيا دون اللجوء إلى أدوات لغوية أو شفرات لتفكيك مفاهيمها أو فهم دلالاتها «بخلاف الصور التي يتم إنتاجها في إطار مكاني أو زمني بعيد عن إطارنا، هي تلك التي تتطلب أكثر قدر ممكن من التفسير»(4)  فأصبحت الصورة «في ثقافتنا، هي كل ذلك: نسخة عن مظهر من مظاهر العالم، تلتقطها رهافة إحساس هي نوعا ما، فردية، وعامة، ونموذجية في الوقت عينه، يتميز بها (الوسيط أو أي شيء آخر) الذي ينقل إلينا معلومات ومشاعر، كما يخلق أخرى في داخلنا- وهي شيء جديد يضاف إلى العالم، فيعيش حياته، ويصبح مشهورا أو يبقى مغمورا. فالصورة صنو العالم، ولكنها صنو مشوه على الرغم من واقعيتها، فهي تجذبنا وتسحرنا في ازدواجية ما تنقله، كما تأسرنا في سحر شيء نراه بأم العين» (5).

لقد أصبح بمقدور الإنسان اليوم الاطلاع على آلاف الصور بشكل يومي، والتي توفرها له الأجهزة الرقمية بدءا من الهاتف النقال وجهاز التلفاز وأجهزة الكمبيوتر والمرتبطة في الوقت الحالي بشبكة الإنترنيت. هذا التدفق المهول للصور غير بشكل كبير علاقتنا القديمة والحميمة بالصور، ولم يعد بوسعه التمعن بشكل دقيق في هذه الصور بسبب تدفقها المستمر والمتسارع عبر الأجهزة الرقمية التي لا تفارقه ليل نهار وفي الواقع يمكن أن يخلق ذلك تأثير نوع من الضجة من دون هدفية محددة ولا هيكلية واضحة. إن الصور المتحركة، بشكل خاص، والتي طالما وضعت خارج متناول هذا الترويج المتسارع والذي لا يتأثر بصعوبة صناعته ولا كلفتها، أصبحت شبه مجانية، وباتت تشكل من الآن فصاعدا، جزءا من الأشكال المبسطة الخاصة بالصورة (6).

في عشرينيات القرن الماضي، كانت الاعلانات تلصق على أبواب السيارات ليقرأها المارة، وفي عام 1927 قرر الأمريكي (فرد برنارد) استعمال الصورة بدلا من الكلمات لأن المارة لم يكن لديهم الوقت الكافي لقراءة الإعلانات العابرة فنشر إعلانا يقول فيه: "الصورة تساوي عشرة آلاف كلمة" ناسبا المقولة إلى حكمة صينية قديمة كي يصدقها الناس. ويبدو أن هذه المقولة صحيحة أحيانا، فقد تتضمن الصورة من المعاني والرموز والحقائق ما يصعب التعبير عنه بنفس الجاذبية وقوة الإقناع(7) فالإنسان الحديث، وفي معيشه اليومي، يتفاعل بشكل سريع ومستمر مع تدفق هائل من الصور الثابتة والمتحركة التي تواجهه حتميا على شاشات التلفاز والكمبيوتر والهاتف والصحف والمجلات والكتب وعلى لوحات الإعلانات والأزياء والأشياء التي يستهلكها في المأكل والمشرب وعلى واجهات المحلات التجارية وعربات النقل.. بل إنه أصبح يتواصل مع الآخرين في اتصالاته الهاتفية بواسطة الصورة، ويعقد اجتماعاته ولقاءاته الصحافية والمهنية والسياسية بواسطة هذه الصورة.

وخلال اجتياح وباء كورونا دول العالم عام 2020، وفي ظل تطبيق بروتوكولات التباعد الاجتماعي وفرض الحجر الصحي، برزت أهمية الصورة في التواصل الاجتماعي والاقتصادي والخدماتي والتعليمي سواء بين الأفراد أو بين المؤسسات، وطرأت تحولات في القطاع الخدماتي في مؤسسات الدولة، وخاصة قطاع التعليم، وتم استغلال الصورة ضمن التطور التقني والمعلوماتي في مواصلة الحياة "عن بعد". هذا المصطلح الأخير الذي شمل بعض مناحي الحياة الاجتماعية والمهنية والخدماتية من أجل تلبية حاجيات الإنسان العالق بين جدران بيته من مأكل ومشرب وملبس وغيرها من الضروريات، هذا إلى جانب استغلال الصورة في مواجهة كوفيد-19 من خلال إسداء النصائح وشرح الإجراءات الواجب اتباعها واتخاذها لمواجهة هذا الفيروس الذي قض مضجع الناس.

وألزمت الجائحة بعض مؤسسات الدولة والشركات على إنجاز  مهامها وخدماتها عن بعد، ولزم بعض الموظفين والعاملين بيوتهم، كما ألزمت المتمدرسين على تلقي تعليمهم كذلك عن بعد. ولقد عملت الدول على بذل الكثير من الجهد لمواكبة هذه التطورات بما ينعكس إيجابا على تجويد المرافق العامة، ومن هنا، فإن جميع الخبراء التقنيين والأكاديميين مهتمون بالتطورات التكنولوجية السريعة الخيرة، وما تنطوي عليه في المستقبل، وهذا يبشر بجعل حياتنا أسهل وأكثر أمنا، وانعكس هذا التوظيف الإيجابي على سلوك عام يقضي ب"رقمنة" الخدمات، والانتقال المرن للمؤسسات والمرافق العامة من الخدمات التقليدية إلى خدمات إلكترونية (من دون ورق) بجهد أقل من المعهود من جهة، وكذلك التكاليف والجودة من جهة أخرى (8).

لعبت الصورة دورا مهما ومتطورا عبر التاريخ منذ انبثقت بوادر اكتشاف الكاميرا على يد الحسن ابن الهيثم حيث وصف في كتابه "المناظر" وصفا دقيقا للقمرة أو الغرفة القاتمة أو الغرفة المظلمة، والذي أدى إلى اختراع الكاميرا الحديثة، وأعاد الفرنسي (جوزيف نييبس) بداية القرن العشرين تجربة ابن الهيثم، وبعد عدد من المحاولات استطاع عام 1827 تحضير أول صورة فوتوغرافية بتعريض سطح حساس للضوء في آلة تصوير، حيث صور منظرا من غرفة عمله باستخدام كاميرا لأول مرة، وكانت هذه أول صورة ثابتة بشكل دائم من الطبيعة، واستغرق تظهيرها ثماني ساعات، وهي أقدم صورة لفوتوغرافية في التاريخ. وكان الأوربيون بعد خروجهم من الحروب الدينية، وعندما حاول الفلاسفة إيجاد صيغة لإقصاء الدين عن الحياة برزت مشكلة الفراغ الروحي والبحث عن تعويضه، فبرزت الصورة لتجسيد المقدس في حلة عصرية، وجاءت مظاهر الأبهة في العروض العسكرية ومراسيم تنصيب الرؤساء، ومجالس الشعب والنصب التذكارية لتحل محل صور المسيح والعذراء والملوك المبجلين. ثم استكملت هوليود مهمة تأليه نجوم الرياضة والفن بتحويلهم إلى نماذج أسطورية للجمال والصحة والأناقة، بل تكفلت أيضا بتأليه من يحالفه الحظ من عامة الناس في غضون أيام قليلة عبر برنامج "تلفزيون الواقع" واكتشاف المواهب والمسابقات، فدخلت الشعوب في دوامة الإلهاء عبر ثقافة استهلاك وتسليع الجسد واستفزاز الغرائز، وفي العالم الشيوعي تحول رواد الثورة أنفسهم إلى "آلهة"، فنصبت تماثيلهم وصورهم في الميادين والشوارع وقاعات الدرس ليظل الحاكم حاضرا في أذهان الناس ورقيبا على ضمائرهم، فركعت الشعوب لصور لينين وماو وكيم إيل سونغ (9). هكذا كانت الصورة على مر التاريخ مصدر قوة ونفوذ، وهي اليوم أكثر انتشارا وأعمق أثرا، فثمة دراسات وتجارب تبحث في كيفية الاستفادة القصوى من قوة الصورة في مجالات الدين والسياسة والفكر والتسويق (10).

ويعتبر التلفزيون والأجهزة الرقمية المرتبطة بشبكة الإنترنيت أكثر الوسائط شيوعا في التعبير البصري، والمسؤولة عن الانفجار المهول والمستر للصورة، وذلك لما لهذه الخيرة من عمق التأثير وقوة السيطرة على ذاكرة الإنسان والاستحواذ على عقله، فقد ذكر عالم التربية الأمريكي المعروف (جيروم برونر) المشهور بدراساته عن التفكير وعن التربية من خلال الاستكشاف والإبداع، أن دراسات عديدة تبين أن الناس يتذكرون 10% فقط مما يسمعونه و30 % فقط مما يقرأونه، في حين يصل ما يتذكرونه من بين ما يرونه أو يقومون به إلى 80 % (11). ففي الوقت الحاضر قلما نجد أناسا يقرأون في أماكن عمومية، فقد استبدلوا الجرائد والصحف والمجلات والكتب بمشاهدات آلاف الفيديوهات لأحداث وبرامج تلفزيونية عبر شاشات الأجهزة الرقمية، وبرزت مواقع إنترنيت تنقل الخبر بشكل فوري بواسطة الصورة، بل إن الصحف بدورها أنشأت مواقع إلكترونية لها لمواكبة النشر الفوري واعتماد التعبير البصري. ولم تعد الصورة الثابتة قادرة بدورها على التعبير بشكل عميق، فقد تم إنشاء قاعات عروض يعايش فيها الناس صور الواقع الافتراضي، وهم يرتدون خوذة معينة فوق رؤوسهم فتسمح لهم بالاستكشاف الآمن والواقعي لكهف موجود تحت الماء في فلوريدا ويمتد الواقع الافتراضي من الألعاب الممتعة إلى الاستكشافات التاريخية إلى القيام بمخاطرات ومغامرات (12) وبواسطة الصورة تعددت العوالم الافتراضية وبرزت أهميتها لما تقدمه من معلومات ومعارف علمية وتاريخية وفكرية... دون أن نغفل العوالم الافتراضية التي تتيح للفرد أن يلعب الشطرنج أو أية لعبة أخرى، أو يشارك في أمسية ثقافية مع أي شخص آخر من العالم.

 

الهوامش:

1)    جاك أومون، الصورة، ترجمة: ريتا الخوري، المنظمة العربية للترجمة بيروت، الطبعة الأولى 2013 ص12.

2)    شاكر عبدالحميد، عصر الصورة السلبيات والإيجابيات، عالم المعرفة عدد 311، يناير  2005، المقدمة.

3)    جاك أومون، الصورة، ترجمة: ريتا الخوري، المنظمة العربية للترجمة بيروت، الطبعة الأولى 2013 ص8.

4)    نفس المصدر السابق، ص 335.

5)    نفس المصدر السابق، ص12.

6)    نفس المصدر السابق، ص 335.

7)    أحمد دعدوع، الصورة: كيف نقاومها؟ وكيف نستثمرها؟، ناشري للنشر الإلكتروني، الطبعة الأولى 2014، ص 9.

8)    التعليم عن بعد، مفهومه وأدواته واستراتيجيته، الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة 2020، ص10.
















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق