في مُحترف الفنان فروخ

2022-06-22 18:41:56 اقلام و اراء ...







في مُحترف الفنان فروخ *

فؤاد سليمان **

   كان وجهه في تلك الساعة بلون الغروب، تغشاه صفرة عميقة هادئة، وفي جبينه ظلال شاحبة تحسّ عليها جهاداً عنيفاً، في عينيه صفاء وعلى فمه بسمة.

   هكذا رأيت الفنان مصطفى فروخ يوم حملني قلبي، وما في قلبي من أشواق لزيارة محترفه برفقة صديقي، صديق الفنانين والأدباء، بهجت الخولي.

   ذهبت إليه وعلى كَتفي أثقال على حديد، وفي رِجلي قيود أجرّها ورائي، وفي عيني ظلمة كئيبة لا ترى دربها وتمنع على الناس دربهم. ذهبت إليه ونفسي تضج في أعماقي، وشهوات الأرض كلّها تصخب في قلبي، وفي شفتيّ لعنات وتجاديف، ورجعت وفي عينيّ فجر حلو جديد، وفي رجلي جناح، وعلى كتفي وشاح من زهر، وفي نفسي غناء وفي قلبي طمأنينة وعلى شفتي ضحكة.

   ويرشّنامن فوق، من أعلى الدرج بقماقم من ال "أهلا وسهلا" تجعلنا نحسّ ونحن لم نطأ بعد إلا العتبة البرانية، أنّ الجوّ جوّنا والبيت بيتنا وندخل.

   وإذا القاعة الفسيحة من المحترف زهو يضحك في كلّ لوحة من اللوحات المنتشرة هنا وهناك، وعلى الجدران والرفوف، على المقاعد وفي القراني، وتكاد نفسك تنفلت إلى جوّ سماؤه صافيه وأغراسه زاهية، لولا هذه المرأة الهزيلة الصفراء، تلتف بمنديلها الأبيض وقد سالت في عينيها صفرة مريضة وهي اللوحة الوحيدة في محترف النابغة فروخ التي تحمل النفس إلى جو قاتم كئيب.

   وكأنني بالأستاذ فروخ أحسّ بهذا الجو الذي تركته في نفوسنا هذه اللوحة الكئيبة، فقام يطوف بنا على لوحات جديد طريفة، ضاحكة رَسَمَها في سَفرته الأخيرة إلى عواصم اوروبا، منها رسم مدينة البندقية الضاحكة، ببناياتها المنعكسة اظلالها في المياه مع الأعمدة لربط الزوارق "الفوندولا".

   وراح يُحدّثنا بطلاقة واشارات يديه تسبق الكلمات، عن العالم الاوروبي وكيف أنه رغم انغماسه في تراب السياسة لا يزال يعمل للفن أعمالاً كباراً، ففي كل بلد متحف للفنون، مما يدلّ على ان اوروبا الناقمة على براكين الحرب لم تهمل الناحية الروحية من حياتها لأنها تعرف أن القوى الروحية في الأمة تعمل أكثر مما يعمله المدفع والرصاص.

   وأحسّ وأنا أطوف على هذه اللوحات أنني بحاجة إلى هواء باريس ولندن وبرلين، وإلى وجوه غير جو استنبول وفيينا وبودابست، وإلى وجوه غير هذه الوجوه الاوروبية المتكالبة على العظام، أحسّ أنني بحاجة إلى وجوه أبناء بلادي وما عليها من رغبات وما في رغباتها من طمأنينة، بحاجة إلى هذه الوجوه الملأى بالعزم والقوة كأنها من سنديان أو صخر، بحاجة إلى هذا الجو العابق بالأطياب، المضمّخ بأنفاس الأرز والزعتر والشربين، بحاجة إلى بلادي وهواء بلادي ووجوه أبناء بلادي، من الفلاح تباركه الشمس والأمطار والرياح في حقله وبيادره، إلى القروية الصبية الضاحكة على جبينها أحلام الفتوة البريئة، إلى العامل الذي يأكل خبزه معجوناً بعرق جبينه ودم قلبه إلى إلى..

   وألتَفِتُ فإذا بوجه قاسٍ نحاسيٍّ خشن يصدم عينيّ، هذا وجه غريب عن بلادي، هذا وجه كردي من شذاذ الأرض، فيه كل قساوة طباع الكردي وشراسته، نظرات حادّة كأنّها السمّار، شاربان متهدلان، لفة صفراء فاقعة، ولقد ذكرت وأنا أسَمِّرُ أنظاري بهذا الكردي، كردي الفنان قيصر الجميّل (فنان تشكيلي لبناني، 1898 – 1958)، وفيه ما فيه من الشعر والجمال والعذوبة.

   وهذا الجمال الحوراني، تحسّ في عينيه سخونة وجفافاً، وتكاد تشمّ رائحة البداوة تنبعث من كوفيته وعقاله.

   وألتَفِتُ إلى هذا المكاري، فأعرفه لأول وهلة أنه أهدني ( نسبة إلى منطقة أهدن الجبلية في شمال لبنان )، فيه كبرياء الإهدني من لبّادته في وضعيّتها شيء كثير من البهورة والعز، إلى نظراته وفيها ما فيها من الاستخفاف وفي وجهه رجولة وقساوة وعنفوان.

    وأحوّل وجهي إلى هذا الفلاح الشيخ، هذا فلاح من الكورة يتكىء على كومة من السنابل على البيادر، وعلى وجهه طمأنينة الحياة وفي عينيه محبة الأرض المباركة. في عضلاته المتكمشة صلابة وعزم.

    وهذه الصبية حلوة من صبيات القرى تأتي من الكرم سلّتها على كتفها ملأى بالعنب، في وجهها تضحك الفتوة وفي مشيتها رقصة، كلّها فتنة وحركة وحياة..

   وهذا العرزال الأخضر القائم فوق هذا المطل، تحنو عليه أشجار الصنوبر الخضراء ويتطلّع بكبرياء صوب صنين. لمن؟ وألتَفِتُ أسأل الأستاذ فروخ عنه فإذا به يبدو لعينيّ في باب المطبخ وبين يديه صينية القهوة وعليها ثلاثة فناجين.

   وضحكنا كلّنا ملء أفواهنا، فلقد كان مرتبكاً يخافمن أن تنقلب الفناجين، وقمنا إليه ننجده على حمل الصينية.

   وشربنا قهوتنا على مهل، وكانت قهوة طيّبة صنعها لنا الفنان فروخ بيده، وظلّت عيناي مسمّرتين بهذا العرزال الحلو، هذه اللطوة الخضراء ويحس الأستاذ فروخ أنّ في نظراتي إلى هذه اللوحة شيئاً من اللهفة والحنان وألتَفِتُ إليه قائلاً: لِمَن هذه اللطوة يا أستاذ؟

   ويتطلّع إليّ الأستاذ فروخ بدهشة وحيرة، وبعصبية جامحة يقول لي: قطيعة! أما عرفتها؟ هذا عرزال الزعيم، وأضرب كفّاً على كف وأعضّ على شفتيّ، حتى أكاد أدميهما، فلقد ذكرت آنئذٍ، لقد ذكرت، هذا عرزال الزعيم سعادة.

   الغروب في فيع:

   ثلاث لوحات رسمها فروخ لمشهد الغروب واحدة في بيت مري، وواحدة في ريفون، وواحدة في فيع/الكورة. وفي الأخيرة تحسّ جوّاً جديداً يشيع حواليك، وألواناً جديدة يمتاز بها جو الكورة تنعكس على القرية الجميلة من خلال ضباب شفاف يحتضن القرية وكوم السنابل على البيادر تتماوج فيه أظلال بنفسجية، تحتضر على سطوح المنازل وعلى هذه الخيمة القائمة لحراسة القمح في ليالي الصيف.

   في الوادي الصغير الأبيض شعاعات ناعمة تتهادى في العكفات، تتقلص بعدها رويداً رويداً تاركة وراءها سحابة مستطيلة خفيفة في أسفل الوادي. في السهل نحسّ بوحشة عميقة تخيّم على القرى المبعثرة في السفح، وهي تستقبل العتمة الآتية.

   وهناك في آخر البحر، عند الشفق، حيث تتعانق السماء والماء عناقاً أزلياً، تتراءى لعينيك أطياف كبنات الغروب في الأفق.

   إنّ هذه اللوحة الرائعة وما فيها من ألوان واظلال واشعاعات، تأخذ عليك مشاعرك فتحسّ في عينيك أظلالاً تتراقص، وفي قلبك حنيناً عميقاً ولهفة حلوة. ولقد كان الفنان فروخ في لوحته هذه، رساماً جمع إلى الدقّة في في الرسم وغنى الألوان شيئاً كثيراً من الشعر والموسيقى، ففي اللوحة أنغام هادئة متزنة ناعمة..

   وبين لوحات الغروب التي رسمها فروخ، كانت لوحة "الغروب في فيع" أكثرها أنغاماً وأغناها ألواناً خفافاً.

   أقول هذا وأنا مؤمن أنّ ما في هذه اللوحة من جمال هادىء تطوف فيه الخياات الناعمة، ما لا يُمكنني أن أعبّر عنه بالكلمات.

   وأنا ما أزال إلى اليوم، أحسّ أنّ الأشباح تتزاحم في رأسي، والأنغام تتهادى في قلبي...

   لقد وجد الفنان فروخ طريقه إلى الخلود، فهو لن يفتّش عنها بمصباح علاء الدين، إنّ له من الثقافة الفنية على أشهر أساتذة الفن في العالم ما يكفل له البقاء كفنان من الطراز الأول. ستحبّ الأمة مصطفى فروخ كثيراً وستضعه في المرتبة الأولى من الذين عملوا لأجلها لأن مصطفى فروخ أحبَّ أمته وبلاده وأهل أمته وبلاده، عمل لأجلهما ويعمل بصمت وهدوء وإخلاص.    

* مصطفى فرّوخ، فنان تشكيلي لبناني (1901 – 1957).

** فؤاد سليمان، أديب لبناني (1912 – 1951).

 

  +++ نشرت هذا المقال صحيفة النهضة اللبنانية في أحد أعدادها الصادرة في العام 1937. والأفكار والآراء الواردة فيه تعبّر عن وجهات نظر كاتبها فقط.
















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده




افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق