العولمة

2022-06-22 13:52:19 سياسة ...







((العولمة))

العولمة هي تتويج للنظام الرأسمالي الذي يسعى لإعادة تشكيل العالم بوصفه مكاناً واحداً، وتحويله لحالة إنسانية عالمية واحدة، يسودها نظام اقتصادي ومصرفي واحد، ونظام سياسي واحد، وعقيدة واحدة، ونظام تعليمي واحد، وقيم وآداب عالمية مشتركة، وحضارة عالمية واحدة، وأن تكون كل هذه الأمور مناسبة للناس من حيث كونهم بشراً فقط، ومساعدة لهم على تحقيق طموحاتهم المادية والروحية، فتذوب بذلك الحواجز والحدود بين الدول، ويصبح للحكومات والمؤسسات والشركات والشبكات الدولية الاقتصادية والإعلامية والثقافية الحق في أن تمارس أنشطتها في أي مكان وبوسائلها الخاصة ودون قيود.

 

المؤيدون للعولمة يرون أنها سبباً في كثير من الايجابيات، فقد أحدثت ثورة في التواصل بين شعوب العالم، وأزالت الحدود والحواجز بين الدول، وجعلت العالم أشبه بقرية صغيرة، بفضل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والشبكة العنكبوتية، وأوجدت  فرصة استثنائية لردم الفجوة المعرفية بين المجتمعات، وسهلت سبل اكتساب العلم والمعرفة وساهمت في تعميم نتائج البحث العلمي وربط التقدم الاقتصادي بالإبداعات العلمية والفكرية، كما ساهمت في مكافحة الأوبئة والامراض وحماية البيئة والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل ومعاقبة الجريمة وتهريب المخدرات وتبييض الأموال، وتقديم فرص حقيقية لتحقيق الأمن الدولي الجماعي، والدعم الفعال لحقوق الانسان والتعددية السياسية والديمقراطية، واستطاعت المرأة بفضل العولمة انتزاع بعض حقوقها المشروعة بعد العزلة التاريخية والتسلط عليها في بعض المجتمعات.

 

والرافضون لفكرة العولمة يرونها تغريبا بسبب الهيمنة الغربية على العالم بسبب تفوقهم الحضاري وعدم تسامح حضارتهم مع الحضارات الأخرى، لأن العولمة  في العالم العربي جاءت  من الخارج، على شكل ضغوط متزايدة ومتعددة الاشكال والأهداف، قلصت إلى حد كبير من هامش الاستقلالية والمبادرة العربية الإقليمية، وعملت على تصدع الكتلة العربية وتفاقم أزمة النظم السياسية وانفلات المجتمعات وتفتت بنياتها، كما أنهم يرونها محاولة لتشويه الدين بإشاعة ثقافة الإباحية والجنس و الزنى واللواط والشذوذ، والتمويه والتلطيف من القبيح والمحرمات بتسميتها بغير مسمياتها، والترويج للتطبيع  مع اليهود، وأشد ألوان العولمة خطرا وأبعدها أثرا هو عولمة الثقافة، وفرض ثقافة الأمة القوية على سائر الأمم الضعيفة، وإجبارنا على استهلاك بضائعها الفكرية والثقافية المتحررة، محاولة طمس هويتنا وهدم تراثنا ولغتنا وآدابنا، وفرض سيطرة ثقافتهم وآدابهم وعلومهم وحتى لغتهم الإنجليزية واقحامها في جامعاتنا ومعاهدنا ومدارسنا، وتعزيز التسلطية وتفجير النزاعات الأهلية، وتدويل الأمن الوطني والإقليمي وتهديد الاستقلال، وبذلك تحل العولمة محل الدولة في كافة الميادين، وتهيمن عليها.

 

وأخيراً فإن وجهة نظري أن العولمة دعاية مزوّرة اتخذتها القوى العظمى كوسيلة للهيمنة على الشعوب، وأنها أحد أشكال الاستعمار الذى خلع أرديته القديمة وترك أساليبه التقليدية ليمارس عهدا جديدا من الهيمنة، وأن للعولمة كثير من السلبيات، ومع ذلك فإن لها بعض الإيجابيات، لذلك علينا أن نستثمر ونستفيد من تلك الإيجابيات، ونعمل على علاج تلك السلبيات، لأنها أصبحا واقعاً لا مفر منه، والصين كنموذج تمثل الاستجابة الإيجابية للعولمة، بعكس العالم العربي الذي يشكل النموذج المثالي للاستجابة السلبية للعولمة، ولتلافي سلبيات العولمة يجب تعزيز الديمقراطية،  وتعزيز مكانة المجتمع المدني، وتأسيس الفكرة الإقليمية للتغلب على تجزئة الأسواق الوطنية، والاندماج في الثورة العلمية التقنية، وتحديد أهداف التنمية الانسانية، وإعادة بناء الذاتية الفاعلة، وبناء سياسات ثقافية عربية، وتقليص حجم التبعية في الموارد الثقافية، والمشاركة  الفاعلة في الحضارة الكونية، من أجل إعادة هيكلة المجتمعات العربية وتهيئتها للمساهمة الفعالة في بناء معالم المجتمع العالمي.

بقلم / هاني نبيل محمد عبد الحميد
















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده




افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق