فيلم "يا خيل الله " التهميش كمنبت لشتلات الارهاب

2022-11-23 14:19:55 فن و سينما ...











رضوان السائحي

 

اعتمدت السينما منذ ظهورها على نقل جميع مظاهر الحياة الانسانية في جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في حاضرها وماضيها واستشراف مستقبلها، وبذلك تشكلت العلاقة بيت السينما والواقع بشكل وثيق، واجتهد السينمائيون لإنتاج أفلام تبدو أكثر واقعية «واحتفظت السينما بجذورها الواقعية، وما شذ عنها صار نوعا منفصلا يعرف ب"الخيال العلمي" أو "الفنتازيا(1) وتعتبر الحروب والأزمات من أهم المواضيع التي تطرقت إليها السينما بما فيها الحروب والصراعات التي وقعت بين الشعوب عبر التاريخ، والأزمات التي تعرضت لها الأمم منذ البدء.

في القرن العشرين عالجت السينما العالمية موضوع أهم حربين عالميتين، وتطرقت سينما الشعوب العالمية التي كانت ترزأ تحت الاستعمار إلى نضالها وكفاحها من اجل نيل حرياتها، وكذا إلى الثورات. بعد ذلك عالجت هوليود صراع الحرب الباردة السياسية والاقتصادية والمخابراتية، وحرب الفيتنام (1956-1973) بعد خروج آخر جندي أمريكي من هناك، ثم حرب الخليج عام 1991، والحرب الأمريكية على العراق وهي الفترة التي بدأ فيها عصر الملتميديا (MultiMedia) أو تعدد الوسائط الاعلامية، وعرفت مرافقة الصحفيين للجنود خلال عمليات الاجتياح (2)أي توثيق حقيقي للأحداث والذي اعتمد عليه السينمائيون في تطعيم أفلامهم التي عالجت موضوع الحرب على العراق.  

بعد أحداث 11 سبتمبر 2011 تغيرت طريقة معالجة السينما العالمية للأزمات خصوصا بعد ترويج الإعلام لمصطلح "الحرب على الإرهاب" الذي أطلقه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1373 بإيعاز من الولايات المتحدة، والحقيقة أن هذا المصطلح ليس وليد القرن الواحد والعشرين، بل ظهر لأول مرة في الصحافة الغربية في النصف الثاني من القرن19م (نيويورك تايمز 1881) للتدليل على محاولة الحكومات الأوربية والأمريكية وضع حد لهجوم "الفوضويين" على القادة المسؤولين، ويسجل التاريخ الجملة الشهيرة التي أطلقتها الماركسية (فيراز اسوليتش) بعد إطلاقها النار في العام 1878 على قائد شرطة روسي اشتهر بتعذيب المتهمين: "أنا إرهابية لست قاتلة" (3) واستخدم المصطلح في نهاية الأربعينيات لوصف الجهود المبذولة التي قامت بها الحكومة الاستعمارية البريطانية لإنهاء موجة الهجمات التي قادها يهود صهاينة في عهد الانتداب البريطاني لفلسطين (4) وفي الثمانينيات استخدمه الرئيس الأمريكي رونالد ريغان ضد ليبيا ليعاود مواطنه جورج دبليو بوش، بعد نحو عشرين سنة، تكريس المصطلح وتوسيع دلالاته وتعميق ضبابيته منذ هجمات سبتمبر 2001 (5)

وتشير بعض المصادر إلى أن "جورش دبليو بوش" ورجال إدارته كانوا يجتمعون بالكتاب السينمائيين في هوليود، لمساعدتهم في توقع خطط الإرهابيين، وفي وضع خطط مضادة لها (6)وشهدت المرحلة اللاحقة لأحداث 11 سبتمبر ظهور أفلام أنتجت بأموال وكالة المخابرات المركزية (CIA) مثل فيلم "محصلة كل المخاوف" (THE SUM OF ALL FEARS) للمخرج (روجر دونالدسن) عام 2003، وفيلم "30 دقيقة بعد منتصف الليل" (ZERO DARK THIRTY) للمخرجة (كاثرين بيجلو) عام 2012 يلخص المطاردة الأمريكية التي دامت عشر سنوات من البحث عن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وقتله، وتدور أحداثه بين مقر (CIA) وبين باكستان وبعض المناطق في أفغانستان. لقي الفيلم تلميحات من النقاد السينمائيين بأن الفيلم يخدم وجهة النظر الأمريكية بشكل واضح، وبأنه تم إنتاجه بتوجيهات أو نصائح من (CIA)، ورغم ضعف مستوى الفيلم فقد حصد أكثر من ثمانين جائزة ورشح لأربع جوائز أوسكار منها أفضل فيلم، مما شكك في مصداقية المهرجانات السينمائية العالمية التي منحته هذه الجوائز. وغيرها من الأفلام الأخرى.

مع توالي الاعتداءات الارهابية من تفجيرات واغتيالات وحوادث ضرب الاستقرار على مختلف المدن العالمية اشتدت الحرب على الارهاب، وازداد اهتمام السينما بهذه الظاهرة ومعالجتها من كل الجوانب، وبات السينمائي «الذي يشرع في صنع فيلم عن الإرهاب يسأل نفسه سؤالين أساسين: أين يقع فيلمي من النقاش السياسي والثقافي والفكري والاستراتيجي المستمر؟ وكيف يمكن للسينما الحفاظ على رؤية طازجة ونقدية إزاء واقع متبدل» (7)

 اختلفت معالجة السينما لموضوع الإرهاب والإرهابي في ظل «التوجه الامبراطوري للسياسة الأمريكية المتعطشة لفرض أحاديتها على المستوى الجيو-سياسي الكوني تحت ستار محاربة الإرهاب» (8) ففي الوقت الذي تربط السينما الغربية صورة الإرهاب والإرهابي بالدين الإسلامي كان آخرها فيلم إيطالي بعنوان "تاجر الحجارة" (IL MERCANTE DI PIETRE) عام 2016 للمخرج الإيطالي (رينزو ماركينيللي) والذي لقي احتجاجا بسبب ربطه بشكل مباشر ما بين الدين الإسلامي والإرهاب، ويعتبر الإسلام خطرا على الحضارة الغربية، وغيرها من الأفلام التي تحاول تشويه صورة الإسلام في الذهن الغربي، ولذلك صورت الإرهاب والإرهابي على أنه همجي وعاشق لسفك الدماء والتدمير والهمجية والعنف، نجد السينما العربية خلال العقدين الأخيرين زاوجت بين ثلاثة أنماط: (9)

1-                الإرهابي، ذلك القاتل المتعطش للدماء المتخلف، ومتجهم الوجه، والمهووس، والمعادي للثقافة والعلم والمدنية بكل صورها، والذي ينقاد بطواعية أسطورية لسلطة "الأمير" الذي باسم الدين والمقدس يصرخ وينهر ويعد ويغري بالمال والاستشهاد والنساء والحور العين مقابل تصفية المخالفين في الرأي والتوجه.

2-                الإرهاب بوصفه أحد تجليات فساد النظم السياسية وغياب التنمية وتفشي الفقر والحرمان والبؤس والقمع والقهر، وكملاذ لأبناء الطبقات المهمشة والمبعدة عن السلم الاجتماعي والوظيفي والإداري لجسم السلطة، وهذا الرأي على وجاهته، ليس قاعدة عامة مطردة.

3-                الجماعات الإرهابية، بوصفها أحد أطراف صراع قوى المجتمع على تحقيق مكاسب جماهيرية تضفي مشروعية أو تشكل مدخلا للعمل السياسي، حيث "السلطة" تحارب "الإرهاب" باعتباره خصما لها. وليس صونا لهيبة الدولة، أو كونها ملاذا لبقية أطراف المجتمع من شرور التطرف. وهي بذلك تحذر العقل الجمعي من أن الإرهاب المتوحش هو "بديل" سلطة الديكتاتور.


ويعتبر فيلم "يا خيل الله" الذي أنتج عام 2012 للمخرج نبيل عيوش من أهم الأفلام المغربية التي تطرقت لظاهرة الإرهاب التي عرف المغرب بوادرها منذ عام 2003 والتي استهدفت العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء. وهي أسوأ سلسلة من التفجيرات المتزامنة بالأحزمة الناسفة يوم الجمعة 16 ماي 2003 في تاريخ المغرب، نفذها أربعة عشر شخصا ينحدرون  من إحدى الأحياء الفقيرة بمنطقة سيدي مومن بضواحي المدينة، واستهدفت هذه الهجمات خمسة أماكن. ولم تتبن أية جهة مسؤوليتها، وإن كانت أصابع الاتهام أشارت بضلوع جماعة تسمى "السلفية الجهادية" في هذه التفجيرات.  ومنذ إنتاج هذا الفيلم بتمويل فرنسي بلجيكي، وبمشاركة عدة شركات، وهو يحصد عددا من الجوائز الدولية إلى جانب إدراجه ضمن قائمة الأفلام المرشحة في المحافل الدولية.

 اقتبس الفيلم من رواية "نجوم سيدي مومن" للكاتب المغربي "ماحي بينبين"، استلهم أحداثها من الوقائع التي أودت بمجموعة من الشباب إلى القيام بتفجيرات الدار البيضاء، مبرزا الفوارق الاجتماعية والبون الشاسع بين حياة الأغنياء والفقراء في هذه المدينة، والحياة المزرية التي يعيشها المهمشون، والتي تؤدي في آخر المطاف إلى اعتناق أفكار تطرفية والقيام بأعمال إرهابية. و"نجوم سيدي مومن" هو اسم فريق كرة القدم المحلي الذي استقطب الإسلاميون معظم لاعبيه للقيام بالعمليات الانتحارية.

فيلم "يا خيل الله" من أبرز الأفلام التي قدمت رؤية جديدة لأحداث تفجيرات الدار البيضاء، باحثا عن امتداد جذور الارهاب بالأحياء الفقيرة في ارتباطها ببنية التهميش والفقر. وبذلك يمكن إدراجه ضمن صنف السينما التي تركز على حياة المهمشين من الناس في المدن الكبيرة، والذين حرموا من أبسط سبل العيش الكريم، وهم الفقراء الذين استعصى عليهم العيش داخل المدينة فقطنوا الأحياء الهامشية منها بسبب حرمانهم من المال الكافي لتدبير حياتهم وتوفير سكن لائق وعمل قار من أجل حياة كريمة، وتبلورت سينما الواقع التي تطرقت لحياة هؤلاء المهمشين منذ بداية الخمسينيات، مع بدء ظهور أفلام تنفذ إلى عمق طبقات المهمشين والمنبوذين، أبرزها ثلاثية المخرج الإيطالي "فيديريكو فيلليني" فيلم (LA STRADA) عام 1954، وفيلم (EL BIDONE) عام 1955ن وفيلم (LE NOTTI DI CABIRIA ) عام 1957.

ومنذ ذلك الحين بدأت تظهر أفلام تطرقت إلى المهمشين وعالجت ضمن هذه التيمة قضايا أخرى يكون التهميش سببا في بروزها داخل المجتمع كالانحراف والسرقة والإجرام... وفي السنين الأخيرة، شدت السينما، التي تعالج ظاهرة الإرهاب، رحالها إلى الأحياء المهمشة لتتبع جذور شتلات الإرهاب مثل فيلم "دم الغزال" للمخرج محمد ياسين عام 2006، وفيلم "حين ميسرة" للمخرج خالد يوسف عام 2007.

ويعود اهتمام المخرج نبيل عيوش بهذه الفئة منذ فيلمه "علي زاوا" عام 2000 الذي أثار جدلا واسعا لجرأته في طرح قضايا مسكوت عنها في معالجته لموضوع أطفال الشوارع. «ويرسم من خلال فيلمه "يا خيل الله" الملامح الاجتماعية والنفسية للمنتحرين، وكذا الملابسات التي دفعت بهم إلى ارتكاب تلك الأفعال الشنيعة (...) من منظور يجمع في بوتقته ما هو إيديولوجي وفني وسوسيولوجي سبق للمخرج تناوله في فيلم "علي زاوا"، وذلك ما يؤثر على اهتمام المخرج بقضايا الفئات المهمشة، وانكبابه على تفعيل النقاش حولها»(10)

وعنوان الفيلم مقتبس من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (يا خيل الله اركبي وإلى الله ارغبي، في قصة سعد السالمي) وهو مصطلح استخدمه تنظيم القاعدة وبن لادن مرات كثيرة للدعوة للجهاد، ووضع السيناريو جمال بلماحي رفقة المخرج، وينطلق الفيلم من رصد الحياة اليومية في الحي الصفيحي بسيدي مومن جنب مطرح نفايات المدينة، وتتبع تفاصيل المنتحرين منذ طفولتهم في علاقتهم بمحيطهم بما فيه البيت والشارع، ويركز المخرج على قصة أخوين تبدأ من عام 1994، في حي صفيحي فقير بسيدي مومن، حميد الأخ الأكبر الذي يتاجر في المخدرات، يتميز بشخصية مؤثرة في الحي والمعيل المسؤول عن أسرته، التي تتكون من أم تسهر على تدبير شؤون البيت اليومية، وأب يعاني من اضطراب نفسي، وأخ غائب، حاضر بالاسم فقط يعمل في الجيش، وأخ متوحد يقضي جل وقته في الاستماع إلى الراديو، ثم الأخ الأصغر طارق الذي يوفر له الحماية منذ الصغر، ويلقبه أقرانه ب "ياشين" على اسم حارس المرمى الروسي "ليف ياشين" والذي يحتفظ بصورته في جيبه طوال الفيلم ويحلم بأن يصبح مثله، تتغير حياة الأخوين بدخول الأول إلى السجن وتشبعه بالفكر الأصولي من طرف الجماعات الإسلامية المتشددة ويصبح عضوا فيها، في حين يضطهد الأخ الأصغر من طرف بعض أشقاء الحي ويُمنع من كسب قوت يومه في بيع البرتقال. فيتوسط صديقه نبيل لدى الميكانيكي، فيجد له عملا في نفس المرآب الذي يعمل فيه، ويأخذ دور أخيه حميد في إعالة الأسرة، لكنه لا يأخذ نفس المكان في قلب أمه، مما يخلق له توترا داخليا وإحساسا بالفارق في اهتمام وحب والدته لهما.

يخرج حميد من السجن بشخصية متغيرة تماما، هذا الخروج يتزامن مع أحداث سبتمبر، ويصدم طارق في تغير شخصية أخيه، وتفرح الأم لولدها، لأنه أخيرا هداه الله، فيزداد اهتمامها به، ويزيد هذا من تمزق طارق من الداخل رغم بذله مجهودات شبيهة بالتي يقوم بها حميد، فإنه لا يظفر بقلب والته وبنفس الاهتمام. ويبدأ الاستقطاب الفعلي لشباب الحي وانضمامهم إلى جماعة "الشيخ أبو الزبير" بعد تصاعد الأحداث وبلوغها الذروة بعد قتل طارق لمشغله الميكانيكي الذي حاول الاعتداء جنسيا على رفيقه نبيل، فتم الاستنجاد بحميد الذي استقدم معه أفراد من الجماعة عملوا على دفن الجثة في مكب النفايات، وإخفاء معالم الجريمة. ويعيش طارق ورفيقه حالة ذهول بعد ارتكابهما الجريمة، فيأخذهما حميد إلى الشيخ "أبو الزبير" الذي يطمئن طارق بأن التوبة هي الهم، وعفا الله عما سلف. فيلتحق شبان آخرين أغلبهم كانوا ضمن فريق "نجوم سيدي مومن" ويباشرون تدريباتهم الجسدية في مقر الجماعة وخارجها، ويتم تأطيرهم عقائديا شيئا فشيئا استعدادا لتنفيذ عمليات التفجير، في البداية يشعر حميد بالغيرة لأن أمير الجماعة قرب إليه ياشين أكثر من اللازم، وأبدى إعجابه به، فنصحه حميد بألا يتقرب منه كثيرا خصوصا وأن باقي الأفراد لاحظوا ذلك. بعد ذلك يشعر حميد بالندم ويحاول ثني أخيه عما هو مقدم عليه، لا سيما بعد اقتراب موعد التفجيرات، ويذكره بوالدته وبشاعة العمل المقدم عليه، لكن طارق ينهره في حدة،  لأنه تشبع كليا بأفكار الجماعة، ويستمر حميد في تكرار محاولاته حتى في اللحظة الأخيرة قبل الإقدام على تفجير المطعم بلحظات، لكن الأخ الأصغر مقتنع بكل ما تلقاه من الجماعة فيدفع أخاه ويسقطه أرضا ويدخل المطعم رفقة نبيل ويفجران نفسيهما على مرأى من حميد.

إن اقتباس الفيلم من رواية استقت أحداثها من وقائع حقيقية أضفى على الفيلم مصداقية لتوثيق الواقع الذي أوجد شبابا يقدم حياته في سبيل أفكار زرعت في رأسه زرعا. وهو نفس المكان الذي صورت فيه بعض مشاهد فيلم "علي زاوا"، وأشار نبيل عيوش في معرض حديثه عن المكان أن هناك ارتباطا عضويا بين الفيلمين، ويعتبر أن الصبية في "علي زاوا" كان يمكن أن يصبحوا هؤلاء الشباب في "يا خيل الله".

قبل الشروع في انتاج الفيلم قابل المخرج سكان المنطقة التي ينحدر منها هؤلاء الشباب والجمعيات المحلية لاستيفاء الحيثيات والمعلومات الشاملة حول الأسباب التي أودت بهم إلى القيام بالعمليات الانتحارية لإخراج الفيلم، وحرص على التصوير في المكان الطبيعي الذي ينتمي إليه المنتحرون، حيث اعتمد المخرج في تصويره لمشاهد الفيلم على فضاءين فنيين رئيسيين لهما بعدهما التخييلي في ارتباطهما بنفسية الشخصيات.

الفضاء الأول: يضم مشاهد لأمكنة مختلفة منفتحة باعثة على البهجة والحلم رغم منظر التهميش والفقر، مثل ملعب كرة القدم المترب في الحي المجاور(حي غير صفيحي) يفصله عن حي الصفيح طريق سيار يعبره الصبيان معرضين انفسهم للخطر، ومساحات ضيقة وبئيسة وسط الحارة حيث يلعب الصبيان ويتشاجرون ويمارسون حياتهم الطبيعية، ومطرح النفايات حيث ينقب الأطفال عن متلاشيات يعيدون بيعها بدراهم معدودات، وغيرها من الأماكن العمومية، والبيوت التي يطغى عليها الصدأ، والممرات الضيقة المليئة بالحركة، ومختلف الفضاءات المرتبطة بمظاهر الحياة اليومية.

الفضاء الثاني: يضم في غالبيته أمكنة مغلقة ومعتمة، وذلك بعد خروج حميد من السجن وظهوره رفقة أفراد الجماعة المتشددة، وأهم هذه الأمكنة هو البيت الصفيحي لهذه الجماعة حيث يعيشون ويقيمون صلواتهم واجتماعاتهم وتناول وجباتهم اليومية، وممارسة بعض التمارين الجسدية للدفاع عن النفس في غياب تام لأية امرأة. ثم المرآب المغلق حيث تم قتل الميكانيكي، وبيت أسرة الأخوين الذي بات يسوده الصمت والوجوم في غدو ورواح الأخوين ومكوثهما رفقة الأسرة لبضع دقائق. ورغم انتقال أفراد الخلية إلى مكان بانورامي جبلي وسط الغابة بجانب النهر للخلوة مع بعضهم، ولاختبار استعدادهم النفسي وصدق نواياهم، فإننا لا نشعر بانفراج المكان أمام ما كان يعتمل في نفسية الشبان المقدمين على الانتحار.

 فالفضاء الأول يعكس طبيعة نفسية الشخصيات التواقة لممارسة حياتها بكل حرية، والتي بدت مترابطة ومتضامنة فيما بينها رغم الفقر والحاجة في إطار تقديم العون التآزر الأسري وحسن الجوار، وتتفكك هذه العناصر في الفضاء الثاني، فالأخوان يهجران بيت الأسرة، ويتم طرد المومس من طرف الجماعة المتشددة، وانشغال الشبان عن متابعة لعب كرة القدم مع أقرانهم من الحي المجاور، وهجرهم للصداقات القديمة، ونشوب عداوة خفية بين الأخوين، وتخلي طارق عن حبه لغزلان أخت صديقه، وبدت الشخصيات داخل هذا الفضاء واجمة وجدية وعابسة بسبب ما يعتمل في دواخلها من مشاعر ملآى بحب الحياة والإقبال على الموت، وكان هاجس طارق في الليلة الأخيرة قبل التفجير، هو كيف سيكون موقف غزلان حينما تعلم أنه قام بتفجير نفسه؟ فيجيبه صديقه نبيل قائلا: «هناك المئات والآلاف من غزلان في الجنة. وهذا الفضاء يعكس التعتيم الذي تمارسه الجماعة المتشددة ويوحي بانغلاقها على عناصرها، والاستعداد لتنفيذ التفجير في جنح الظلام.

وتمثل غزلان حب ياشين الذي لم يتحقق على أرض الواقع بسبب الفاقة، لأن أسرتها تريد تزويجها إلى رجل غني لينتشل أسرتها من الفقر، إلى جانب حلمه الموؤود بأن يصبح حارس مرمى دوليا، تم تعويضه بحلم أكبر هو الجنة، والتي يركز عليها شيخ الجماعة، ففي لقائه الأخير بالشبان وبعد تلقيه مكالمة هاتفية تأمره بالتنفيذ يودعهم قائلا: "موعدنا الجنة".

والفيلم محاولة إيديولوجية واجتماعية إنسانية لفهم كيفية سقوط شباب مفرغ ثقافيا وتعليميا في شباك الفكر الأصولي والتعصب الديني، واعتبار الفقر أرضا خصبة للإرهاب، ويرصد الظروف المزرية التي ينشأ فيها الشباب منذ صباهم والمتمثلة في التهميش الجغرافي والضائقة الاقتصادية في علاقتهم بمحيطهم الذي يطبعه اليأس الاجتماعي يغذيه التهميش والحرمان والبطالة في غياب التعليم وانتشار الجهل، في أجواء يعمها استغلال السلطة والرشوة والمخدرات والفساد واستغلال الأطفال مهنيا وجنسيا وتربويا في غياب شامل لرقابة الأسرة أو رعايتها (أطفال صغار يتناولون الخمر على هامش أحد الأعراس في الحي، وتعرض أحدهم إلى الاغتصاب) وإدمان الشباب على الخمر والمخدرات، فالمتشددون يستغلون هذا العبث الاجتماعي في هذه الأحياء، وفي مجتمع لا تظهر فيه أية علامات تبشر بمستقبل واعد، أو اختيارات لتحقيق أهدافهم أو أحلامهم، وفي خضم هذه الضبابية يظهر ما يسمى ب"الشيخ" مبديا رغبته العارمة في تقديم المساعدات وتخليصهم من واقعهم المزري، واقع يغلب عليه الفقر والحرمان والعشوائية، كما هو الشأن بالعديد من العواصم العربية، والتي في غالبها تعتبر مرتعا خصبا لنمو الحركات المتشددة.

والفيلم لا يقتصر على نقل الأحداث كما وقعت بمدينة الدار البيضاء، ولكنه يغوص في عمق هذا المجتمع البيضاوي مقارنا بين الفوارق الطبقية، وباحثا في زوايا المجتمع المهمش عن الأسباب التي أودت بهؤلاء الشباب الذين كان معظمهم يلعب في فريق محلي لكرة القدم، والمتمثلة في اهمال الأهل تربية أبنائهم وعدم الحرص على استكمال تعليمهم بسبب الفقر والهشاشة الاجتماعية. بالإضافة إلى طبيعة المنطقة عمرانيا-كما في باقي المدن المغربية الكبرى- والتي تشبه مجتمعا مغلقا جغرافيا ومنغلقا اجتماعيا بعيدا عن المدينة، وفي غياب توفر أبسط سبل العيش الكريم كالماء وقنوات الصرف الصحي ومرافق عمومية.

وتصاعد وتيرة الأحداث وضرورة الحياة فرضت على هؤلاء التخلي عن حلمهم، والانخراط مهنيا في حياتهم المهمشة من أجل توفير لقمة العيش، ولا تكتفي شخصية الميكانيكي التي هي رمز لإصلاح الأعطاب والتقويم، باستغلال الشباب مهنيا، بل يحاول استغلالهم جنسيا، فيتم قتله دفاعا عن الشرف، فيجد الشابان الحماية الكافية لدى الجماعة المتشددة عوض الأسرة، والذين يغتنمون مثل هذه المواقف المتأزمة لإعادة تربيتهم عقائديا إلى جانب الوعود بتوفير حاجياتهم المادية، وتأطيرهم باسم الدين وما سينالونه في الآخرة في سبيل استشهادهم، وقال نبيل عيوش خلال مؤتمر عقده بالتزامن مع عرض فيلمه في البيضاء: "أردت أن أظهر كيف يستطيع الإسلام السياسي تعزيز قبضته على هذه الأحياء العشوائية، وقد خرجت بتفسيرات مختلفة ودرست الطريقة التي يستخدمها الأصوليون للتعامل مع مفهوم التضامن، وكيف قاموا بتجنيد هؤلاء الشباب". وقد حاول من خلال فيلمه الوقوف على أهم الأسباب الإنسانية المؤدية إلى ظاهرة الإرهاب وتبرئة الإسلام من ذلك.

إن اختيار المخرج لمكان يشبه المكان الطبيعي الذي ينحدر منه المنتحرون، على بعد خمس كيلومترات من المكان الحقيقي الذي تغير عما كان عليه وقت حدوث الانفجارات، واختيار أربعة ممثلين شبان مبتدئين من سكان المكان، أدوا أدوارهم بكل عفوية وتلقائية، واختياره القيام بأعمال  التصوير بنفسه، مشاهد من الواقع المعاش بما فيها مشاهد جوية استعان فيها بطائرة هيلوكوبتر، واستعانته بمؤثرات صوتية في فرنسا وبلجيكا،  جعله يرصد بكل احترافية الوضع العام لمناطق التهميش التي يوجدها انحطاط الوضع الاقتصادي، وتغلغله بالكاميرا داخل بيوت هذه المناطق، وأزقتها العشوائية جعله يعري انحطاط الوضع الاجتماعي الذي يترتب عنه غياب التربية والتعليم والوعي وانتشار البطالة والفقر، وتعويضه بالمخدرات والخمر كمعين لاجتياز توقعات القادم تحت ضغط تأزم الواقع. هذه الثغرات الاقتصادية والثقافية يستغلها الأصوليون لاستقطاب العديد من الشباب، الذين خرجوا لتوههم من طفولتهم، ويزرعون شتلات الإرهاب في قلوبهم باسم الدين فيقدمون حياتهم ثمنا لهذه الفراغات الإيديولوجية والسياسية وبذلك يرجع نبيل عيوش كل اعتداء إرهابي إلى مثل هذه المثبطات الاجتماعية وليس إلى الإسلام الذي ينبذ كل عنف.

الجوائز:

فاز فيلم "يا خيل الله" بأكثر من 18 جائزة دولية من مختلف المهرجانات الأوروبية والأميركية أبرزها.

-          جائزة أفضل مخرج فيلم روائي عربي في إطار الدورة الرابعة لمهرجان الدوحة السينمائي الدولي (تريبيكا) عام 2012.

-          جائزة التحكيم الخاصة في الدورة 27 للمهرجان الدولي للفيلم الفرنكفوني بنامور (بلجيكا) عام 2012.

-          جائزة "فرانسوا شالي" من مهرجان كان عام 2012. التي تنظم على هامش المهرجان الدولي للسينما بكان ضمن الاختيار الرسمي لقسم "نظرة ما" وهي تحمل اسم الصحافي والناقد السينمائي الفرنسي٬ بعد إحداثها سنة 1997. وتنظم كل سنة مكافأة ى لكل فيلم "يعكس واقع عالمنا" بشكل أفضل.

-          الجائزة الكبرى للدورة 57 للأسبوع الدولي للسينما ببلد الوليد (إسبانيا) عام 2012.

-          جائزة المهرجان الكبرى، وجائزة Cineuropa.  في مهرجان بروكسل لأفلام البحر الأبيض المتوسط عام 2012.

-          جائزتان في مهرجان نامور  السينمائي الدولي للأفلام الفرنكوفونية (واختصاره "فيف) عام 2012 ،إحداهما خاصة من لجنة التحكيم، والثانية من لجنة تحكيم الشباب .وذكر خاص لبطلى العمل الشقيقين عبد الإله وحكيم رشيد. وهو الفيلم المغربي الوحيد الذي شارك في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة.

 

-          جائزتا أفضل موسيقي وأفضل صورة في الدورة 14 للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة سنة 2013.

-          جائزة الأمياس الذهبي كأفضل فيلم في مهرجان الجزائر للسينما المغاربية الأول 2013.

-          جائزة الإبداع الفني ضمن مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط في دورته التاسعة والعشرين عام 2013.

 

الرواية:

صدرت الرواية  "Les Étoiles des Sidi Moumen" عام 2010 للرسام والكاتب والنحَّات المغربي ماحي بينبين، المولود  سنة 1959 في  مدينة مراكش. هاجر إلى العديد من البلدان قبل أن يعود إلى المغرب عام 2002، إلى مسقط رأسه ويستقر هناك. درس الرياضيات  في باريس، واستقر في بنيويورك بين عامي 1994 و1999، لديه بعض الأعمال بمُتحف غوغنهايم بنيويورك. اشتهر كفنان وروائي في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير.​​

واستطاعت الرواية أن تعيد الصلة بين السينما والأدب بعد تحويلها إلى فيلم سينمائي استكمالا لعلاقة السينما المغربية بأعمال أدبية تم تحويلها إلى أفلام سينمائية مثل رواية "جارات أبي موسى" للروائي المغربي أحمد التوفيق، ومسرحية «حلاق درب الفقراء" للكاتب يوسف فاضل، ورواية "شمس الربيع" للروائي المغربي عبد الكريم غلاب، ومسرحية "سيدي ياسين في الطريق" للطيب الصديقي، رواية "الغرفة السوداء" للكاتب جواد مديديش.

 ويوضح ماحي بينبين أن كتابة الرواية تطلبت منه خمس سنوات، بعد قراءته عن احداث التفجيرات، وعن نفسية المنتحرين، لأنه كان من الضروري استبعاد أي مدح للإرهاب، ومن جهة أخرى التشديد على انه حينما يعيش المرء وسط القذارة من غير أفق أو أمل، فإنه يغدو من السهل عليه السقوط في شراك المتلاعبين بالعقول.

 

_________________ الهوامش _____________________________________

1-       "الإرهاب والسينما: جدلية العلاقة وإمكانات التوظيف" - مجموعة مؤلفين / دار مدارك للنشر (2010)/ الطبعة الأولى.

2-       نفس المصدر السابق.

3-       نفس المصدر السابق.

4-       نفس المصدر السابق.

5-       نفس المصدر السابق.

6-       نفس المصدر السابق.

7-       نفس المصدر السابق.

8-       نفس المصدر السابق.

9-       نفس المصدر السابق.

10-     ("فيلم يا خيل الله لنبيل عيوش: جدل الارهاب بين الرؤية والسينما – محمد اشويكة – مجلة يتفكرون العدد الأول ربيع 2013).

 

 
















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده




افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق