يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

عقلك تحت تأثير الانترنت

2021-07-21 14:12:16 تكنولوجيا ...







مدة القراءة: 271 ثانية فقط.
عقلك والانترنت


تمام الساعة؛ كما كنت تودُّها لتبدأ مراجعة دروسك في ليلتك الأخيرة، أو بالأحرى فرصتك الأخيرة قبل الامتحان لتدارك ما لم تتداركه في ما سبق لوجود ما يُلهيك من صحبٍ وأنترنت لم تكن تستطيع تجنبها أو الابتعاد عنها..
تشغل فيديو لأستاذك المفضل يشرحُ فيه درسا لا يبدو أبدا أنّه يُسبب الملل؛ بل بالعكس هو يُعجبك، لكن في خضام متابعتك للدرس توقف تشغيله فجأة لا إرادياً لتتصفح ولو لثواني معدودات الفيسبوك أو تويتر، ثم تعود لمواصلة ما بدأته، فلماذا فعلت ذلك رغم أنّك لم تشعر بالملل! 
حدث بالفعل معك مثل هذا من قبل! بالفعل أنت لم تبحث عن الإجابة لأنّ تفكيرك كان منحصرا فقط في ما ستكتبه في ورقة الامتحان في اليوم الموالي..
إركب معي..
إنّ الانترنت نعيم وجحيم اجتمعا، فهي ذات فائدة عظيمة تُدّر علينا بالخير؛ صنع بها البشر ثورة في التجارة والتعليم والتواصل، وهي ذات سلبيات عديدة أيضا، لو سألتك عن أسوء أضرارها لأجبت قطعا: إضاعة الوقت..
في الحقيقة إضاعة الوقت مشكل عويص يُنتجه الاستعمال المكثف للأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لكنّه ليس الأكثر ضرراً للبشر..
إنّ استعمال الانترنت لفترات طويلة يعيد برمجة دماغك من الصفر حرفيا؛ بشكل يجعلك تُدمن التّشتّت وتفقد التركيز سواء كنت تستعمل التقنية أو دون ذلك..
فالكثير منا لم يعد قادرا على تحقيق أهدافه البسيطة التي تستلزم منه فقط ساعة من العمل يوميا مع التركيز المكثف، لأنّه غير قادر على توفير هذا الأخير، وقد أدمن التشتت وسرعة الملل، بل بات يخلقهما بنفسه مثلما أشرت إليه في بداية المقال..
يقول نيكولاس كار في كتابه The Shalows الذي يتعمق في تأثير الانترنت على العقل وطريقة التفكير :"يمكنني أن أشعر بذلك أيضًا، على مدار الأعوام السابقة كان لدي إحساس مقلق بأنَّ شخصًا أو شيئًا ما يتلاعب بدماغي، يعيد تشكيل روابطه العصبية، ويعيد برمجة ذاكرتي. عقلي لم يذهب بل تغيّر. أنا لم أعُدْ أفكّرُ بنفسِ  الطَّريقة كما في السَّابق."
يبني كار فكرته الأساسية في تأثير استخدام الأدوات والتقنيات عل العقل على مفهوم “الليونة العصبية” Neuroplasticity، فللمخ قدرة هائلة على المرونة التّي تمكنّه من التغيّر والتّشكل باستمرار طوال فترات حياة الإنسان نتيجة للخبرات التي يتعرض لها، البيئة التّي يستوطنها والتقنيات التي يستخدمها..
للمرونة العصبية دور فعال في تقوية الدوائر العصبية التي تخص وظائف دورية عندك، كما لها دور فعال في إضعاف الدوائر العصبية الخاصة بوظائف أنت لا تقوم بها، تماما مثل فكرة تطور العضلات وممارسة الرياضة..
إنّ التقنية تُمكنك من استخدام قدرات ذهنية معينة بشكل أكبر، وتُقلل من اعتمادك على قدرات أخرى، أي أنّ اسخدام تلك التقنية يعيد برمجة دماغك وتشكيله، ويستعرض كار في كتابه أمثلة حول ذلك؛ كاِعتمادنا على الساعات أضعفت قدرة التخمين لدينا؛ بالنظر لضوء النهار وطول الظلال، بل إنّ الساعات غيرت نظرتنا للزمن من خط مستمر إلى فترات متقطعة تُقدّر بالساعات، الدقائق والثواني، واعتمادنا على كتابة الأمور المهمة أو العلوم والاستنتاجات وكذا النظريات أضعف قدرة الذاكرة لدينا، ليشير إلى قصة الكاتب المشهور في نهاية القرن 19 الذي وبعد استبدال الورق والقلم بالآلة الكاتبة تغيّر أسلوب كتابته فبسّطه وجعل العبارات أقصر؛ بشكل لا واعي استخدم أسلوبا أسهل، فتغيير الأداة غيّر الأسلوب دون قصد..
إنّ وجود السلبيات لا يعني وجوب التخلص من الآلات أو التقنيات، بل يستوجب الموازنة بين قدر المنفعة وقدر الضرر وترجيح كفة الأولى على الثانية، لذا نحن مرغمون على خيار واحد من ثلاثة؛ إمّا الاستمرار في استخدام التقنية رغم الضرر، لكون هذا الأخير بسيطا مقارنة بالمنفعة، أو الاستمرار في استخدامها مع اصلاح الضرر؛ كمواصلة كتابة الأمور المهمة مع القيام بنشاطات تقوي الذاكرة، وإمّا التوقف عن استخدام التقنية، ويكون هذا في حالة كان الضرر كبيرا ومقدار المنفعة لا يستحق كلّ هذا الجهد والوقت، وبالنظر لحاجتنا الماسة لاستخدام الانترنت في حياتنا اليومية يجعل هذا الخيار غير متاح لنا..


يقول ستيفن كوفي :"نحن نصنعُ عاداتنا، ثم تصنعنا عاداتنا"، في إبراز ما يمكن للأنترنت أن تفعله بعقولنا نعرض مقارنة بينها وبين الكتب كوسيلتين لاكتساب المعرفة، فالكتاب هيكلياً عادة ما يغطي موضوعا واحدا بعمق يسمح التسلسل فيه بنقلك من فكرة إلى فكرة أعمق وأكثر تفصيلا حول الموضوع، هذا التسلسل يساعدك على التركيز أكثر والتعمق في الكتاب.
بينما لو كنت تقرأ مقالا في الأنترنت حتّى ولو كان موضوعه هو -التركيز- في حدّ ذاته ستجد أنّ الصفحة الإلكترونية التي تقرأ فيها مليئة بعشرات الروابط والمواقع التي تشتت ذهنك وتدفعك لفعل شيء آخر غير الاستمرار في القراءة. فالعقل البشري فضولي جدا ويحب تلقي أشياء جديدة باستمرار، والانترنت لن تساعدك أبدا في التركيز على شيء واحد بل ستدعوك للتشتت والتنقل السريع بين الصفحات وهذا مشابه كثيرا لقراءة الجرائد، أي أنّه يمنحك فهماً سطحيا للأمور وهذا أول أعراض وهم المعرفة ( تجدون رابط حول الموضوع في الأسفل )..
لكن ما مشكلة التنقل والقفز السريع! 
دعني أخبرك أنّ أيّ معرفة تطّلع عليها تُحفظ أولا في الذاكرة القصيرة الأمد، وبعدها تنتقل ببطء إلى الذاكرة طويلة الأمد وهي التي تبقى معك ويمكنك الاعتماد عليها في تجاربك القادمة، يرى نيكولاس أنّ التركيز أو الانتباه هو الوسيلة التي تنقل بها المعرفة من الذاكرة القصيرة الأمد إلى الذاكرة طويلة الأمد، وبالتالي بتنا نعرف الآن مشكلة التنقل السريع؛ فهو لا يمنحنا الوقت الكافي لنقل ما تعلمناه إلى ذاكرتنا طويلة الأمد وهذا ما يجعلنا نخسر الكثير مما نقرأ في الانترنت..
قد يبدو لك أنّ مواقع التواصل الاجتماعي التّي تستخدمها مثل: فيسبوك، تويتر، يوتيوب وجوجل تمنحك خدمات مجانية، في حين أنّها تجني الكثير من عرض عدد هائل من الإشهارات لك، فمن مصلحة اليوتيوب مثلا أن تشاهد عشرات الفيديوهات في المدة اليومية التي تقضيها فيه، فتجد الموقع يغريك دائما بمقاطع فيديو في كل مكان، رغم ذلك يبقى أفضل بكثير من بقية المواقع في فترة الانتباه attention span فإن كانت تقدر بالدقائق فيه ففي مواقع مثل فيسبوك وأنستغرام هي مجرد ثواني معدودات ( وصولك لغاية هذه الأسطر هو إنجاز كبير )، لو تأملت من يستخدم هذه المواقع ستجد أنّه يحرك أصبعه كلّ عدة ثواني ليشاهد منشورا جديدا يختلف كلّياً عن سابقه في المجال - ديني، سياسي، اقتصادي...- وهذا ما يجعل العقل يقفز كلّ عدة ثواني بين موضوعات مختلفة تماما..
إنّ هذا التنقل يخلق لدينا عدّة مشاكل؛ فمعظم المحتوى المعروض على المواقع هو سطحي ( لا يعني أنّه غير مفيد )، لكنّه يمنحنا معرفة سطحية وبالتالي يصيبنا وهم المعرفة، والتنقل السريع بين موضوعات وأفكار مختلفة يصعب على عقلك الاحتفاظ بالمعلومات التي تطلع عليها، أي أنّ محتوى مفيدا متعمقا مثل الذي نطرحه في صفحتنا Quoi en tête لن يستفيد منه عقلك بالشكل الأمثل، وأسوء المشاكل في استخدامنا المكثف للأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي هي أنّنا ندرب العقل بدون قصد على إدمان التشتت وعدم التركيز فنحن بذلك نقوي الدوائر العصبية لعادة التشتت وطلب الجديد بشكل مستمر ( تجد مقال بناء العادات في الأسفل لشرح أكثر )، هذه المشكلة ليست بتلك البساطة التي تعتقدها في الحقيقة إدمان التشتت يتخطى حاجز الملل، فعقلك أصبح يدمن التشتت حبا في التشتت نفسه وليس فقط هروبا من الملل ( المثال في بداية المقال )، وهذا المشكل غير مقتصر على فترات تصفحك في الانترنت بل يرافقك خلال بقية اليوم أثناء عملك أو دراستك ويمنعك من التميّز والتفوق..
الحل! 
يستعرض كال نيوبرت في كتابه: التقليل الرقمي Digital Minimalism فكرة تبسيط الحياة الرقمية لتجنب أضرار الانترنت وتعظيم المنفعة منها..
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" ما قل وكفى خير مما كثر وألهى "، فكرة الحديث لا تتوقف عند التخلص من الأمور غير المفيدة بل تصل للتخلص من الحاجيات ذات المنفعة لكن تكلفة امتلاكها أكبر، إسأل نفسك إن كان هذا العنصر يقدم لك منفعة واضحة وإن كان هو الوسيلة الأمثل للحصول عليها فمثلا الكتب أفضل من الانترنت، وهل الطريقة التي تستخدمه بها هي الأمثل؟!
ثم إنّه عليك التخلص من فوبيا فوات الأشياء، لا شيء سيتغير باعتزالك المواقع لفترات طويلة ( رابط مقال هل حقا سيفوتنا الكثير؟ في الأسفل )، فالعزلة شيء ضروري للإنسان من أجل إعادة ترتيب أولوياته رغم أنّ الوصول إليها أصبح جد صعب على عقلك حاليا، لكن لا بد أن تعود نفسك عليها وترك نافذة مطلة على حياة مئات الأفراد من يدك، وكن واعيا بحجم المشكلة التي أنت فيها..


بعد انقطاع طويل أتمنى أن تكون عودة موفقة..















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده




افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق