يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

القيم التربوية ما بين الواقع والمأمول

2021-06-02 18:01:04 التعليم و الجامعات ...









القيم التربوية

ما بين الواقع والمأمول

 

اختفت القيم التربوية من بعد التغييب والإخفاء غير الواعي الذى جاء أحياناً بحسن النية وجهل بالمنهج الصحيح، ليأتي الغرب أخيراً ليقول لنا ولأبنائنا بالخط العريض إن القيم التي جاء بها هي قيم جديدة يجب أن ندرسها ونعيد ترتيب حياتنا بناء عليها، لأنه ليس لنا سابق عهد بها!!.

ما لم تقم التربية على التفاعل والانفعال بين جهة الإرسال (المربى) وجهة الاستقبال (المتلقى) تصبح عملية التربية عملية ميتة لا روح فيها ولا يوجد فيها فاعلية أو فائدة ولا أكاد أتصور حدوث تغيير حقيقي في الانسان وبالتالى في المجتمع إلا من خلال التربية التي تكون الموجه الحقيقي للاصطلاح، فقد قال البيضاوى عن التربية " هي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا([1]) ".

الأسرة هي أهم وأقدم النظم والمؤسسات الاجتماعية باعتبار أن كل عضو فيها له مركز ولها دور. وهى تعكس صفات المجتمع بل إنها نموذجا مصغرا للمجتمع ذاته ، كما يعتبر المجتمع نموذجا مكبرا للأسرة , فمؤسسات المجتمع الأخرى - خاصة المدرسة والدولة - تغذى وتدعم ما بدأته الأسرة مع أبنائها في مرحلة الطفولة المتأخرة والأسرة بدورها تتلقى قيمها ومعاييرها من مؤسسات المجتمع,

ولذلك جاءت النظرة إلى الأسرة كوحدة كلية لان وحدة الحياة لا تتمثل في الفرد نفسه وإنما تتمثل في الأسرة حيث إن الفرد لا يمكنه أن يكوّن الحياة بمفرده وإذا كان ابن خلدون قد سطر مقولته الشهيرة في المقدمة بان "الإنسان مدنى (اجتماعي) بطبعه" فان أول بنية اجتماعية يجد الإنسان فيها نفسه هي الأسرة. ففيها يعيش الإنسان السنوات الأولى من عمره التي تشكل أنماط شخصيته الاجتماعية ، وهى المركز الأساسي لحياة الفرد , والمكان الطبيعي لنشأة العقائد الدينية واستمرارها . والأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي يتلقى فيها الفرد مبادئ التربية الاجتماعية والسلوك وآداب المحافظة على الحقوق والقيام والواجبات هذا فضلا عن أن ما بها من عادات وتقاليد تربط أفراد الأسرة بعضهم ببعض، ثم تربطهم بالمجتمع الذي يعيشون فيه. تشكل بذلك حلقة الوصل بين الوجدان والفكر ، كما تمثل المكان الذي تلقن فيه القيم وموازين الحكم. كما تعتبر الأسرة الوعاء الثقافي الأول الذى تشكل حياة الفرد ويتناوله بالتنشئة ، فالأسرة أداة لنقل الثقافة وتختار من الثقافة ما تراه مهمّا حيث تقوم بتفسيره وإصدار الأحكام عليه , مما يؤدى إلى التأثير على اتجاهات الطفل لعدد كبير من السنين , وعليه يمكن القول إن نظرة الطفل إلى الميراث الثقافي تتكون من وجهة نظر أسرته .

فإن ما يؤخذ في الصغر من عادات وقيم وتربية يغُرس في وجدان الطفل وعقله ولا نستطيع تغييره إلا بصعوبة. ومن هنا يأتي دور الأسرة ( الأب - الأم ) وأهميته في التأثير على الأطفال وتنشئتهم تنشئة سلمية.

فإن فكرة بناء الشخصية عند فرويد أشبه ما يكون بالطريقة التي يقوم بها البناء حائطا من الطوب حيث توضع طوبة طوبة ويسير البناء من أسفل إلى أعلى وترتبط قمة البناء بأساسه أو أصله . فشكل البناء وسمكه وجميع خصائصه ترسى فوائده في الأساس الذى يقام عليه وتغيير شكل البناء تغييرا ملحوظا قد يترتب عليه هدم البناء بأكمله ([2]) .

تكون المدرسة مؤسسة اجتماعية لأنها نظام اجتماعي، مهمتها " تكوين مواطن المستقبل وتربيته"؛ تكوينه عن طريق تعليمه وتأهيله، وتربيته عن طريق تنشئته اجتماعيا، أي عن طريق إكساب المتعلم/التلميذ معارف ومهارات من دونها لا يستطيع فهم العالم والتفاعل معه والتأثير فيه، وعن طريق تنشئته اجتماعيا بإعداده لأن يمارس أدواره الاجتماعية باكتسابه كيف يعيش في الجماعة مع احترام القواعد الاجتماعية المشتركة، وتثمين قيم العدالة والحرية والمسؤولية ([3]).

أما القيم في الحقل التربوي فهي مجموعة المعايير الموجهة لسلوك الإنسان ودوافعه فى تناسق أو تضارب مع الأهداف والمثل العليا التي تستند إليها علاقات المجتمع وأنشطته، ولذلك فهى تتميز عن غيرها من الدوافع السلوكية، كالعادات والاتجاهات والأعراف، في كونها تتضمن سياقا معقدا من الأحكام المعيارية للتمييز بين الصواب والخطإ، بين الحقيقي والزائف، وتمثل وعيا جماعيا، وتكون أكثر تجريدا ورمزية وثباتا وعمومية، كما تكون أكثر بطءا في التكوين وتهم غاية من غايات الوجود، وامتثالا لأوامر، تنبع من داخل الإنسان وليس بناء على ضغوطات خارجية.

القيم في الحقل التربوي إذن" أنزيمات التعلم المجدد" الهدف منها إعداد التلميذ للإدماج الاجتماعي وقدرته على التعايش ضمن التعدد في مجتمع ديمقراطي منفتح على العالم، وعلى المشاركة في العمل الجماعي لأجل بناء مجتمع عادل ومنصف، استنادا إلى قيمتي المواطنة وحقوق الإنسان؛ ضمان الإدماج الاجتماعي.

وإذا علمنا أن عالمنا اليوم يحتاج إلى أفراد قادرين على فهم التعددية وعلى استثمار غناها، وعلى تخيل حلول جديدة وعلى إخضاع المبتكرات التكنولوجية إلى مبادئ اجتماعية أخلاقية، معنوية، قانونية، شرعية، وإذا علمنا أيضا أن هذا العالم يحتاج إلى حيوية أفراد ينخرطون في إنسانية يعرفون ماضيها، ويتحكمون في كفايات ضرورية للمشاركة في الحياة الجماعية الراهنة، ويعرفون كيف يصنعون مستقبلهم ويتحكمون فيه.

          وعلى ضوء السابق نستطيع أن نستنج أهم المؤثرات على القيم التربوية التي يتعلمها أبنائنا، ومن أهم هذه المؤثرات الفضائيات وتأثيرها على قيم الأسرة العربية فالفضائيات مصطلح يطلق على محطات التليفزيون التي تبث برامجها بواسطة الأقمار الصناعية، وهذه الأقمار تدور في الفضاء الخارجي على مدار الساعة، تستقبل البرامج التي تبث من المحطات الأرضية، وتعيد إرسالها، وتوزيعها إلى بقاع محددة من الكرة الأرضية، لتستقبلها أجهزة التلفزيون الموجودة في البيوت ([4]) .

 أمّا القيم التي من المفروض أن تبثها القنوات التليفزيونية والفضائيات هي مجموعة العادات والتقاليد والمعتقدات التي يتوارثها الاجيال  من جيل إلى جيل، ولها مكانة عالية في نفوسهم، وتوجه سلوكهم، ويظهر أثرها في تصرفاتهم وقيمنا العربية الأصيلة منها الجود والكرم والشجاعة والنخوة، وإغاثة الملهوف، وحماية الجار بالإضافة الى  القيم الدينية الأصيلة والسامية أيضا، ومنها التوحيد والإخاء، والتعاون والعمل بروح الجماعة، والتضامن والتكافل، والعطف على الصغير واليتيم، واحترام الكبير وطاعة الأبوين، وإيواء ابن السبيل، والدفاع عن الحرمات، والعفة وغض البصر، والنظافة والطهارة، وحفظ الوقت وحفظ العهود، ونبذ التبذير والإسراف، ونبذ البخل والتقتير، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتقدير العلم والعلماء، والحرص على المصلحة العامة، وغير ذلك الكثير، فهل الفضائيات تبث لنا هذه الرسالة عبر البث التليفزيوني الخاص بها؟!!! .

الإجابة لا يستطيع أي أحد أن ينكرها ، ولكن تغلب المصلحة عن القيم

كانت القنوات التلفزيونية خلال الخمسين سنة الماضية محلية محضة، لا يشاهد المواطن العربى منها غير محطة واحدة أو اثنتين، تبث برامجها من داخل الدولة الواحدة، وتشرف عليها الدولة، تفتتح برنامجها قبيل الغروب، وتتوقف عن الإرسال قبيل منتصف الليل، وتقدم خلال هذه الساعات القليلة بعض الألعاب، وأفلام الكرتون للصغار، ونشرة أخبار أو نشرتين، ومسلسلاً محلياً أو عربياً، وموعظة دينية، وينتهي السامر عند هذا الحد.

وفى السنوات الأخيرة تبدل الحال، وصارت أجهزة التلفزيون فى بيوتنا قادرة على التقاط محطات تلفزيونية تبث برامجها من خارج الحدود، وتحمل لنا ثقافات شعوب غريبة لا تتفق مع ثقافتنا، وتسمم أذواقنا وتفسد أبناءنا، وسواء كان اقتحام هذه الفضائيات بيوتنا بموافقتنا أو رغماً عنا فلا فرق، فالنتيجة واحدة وهى آلاف البرامج الهدامة، كالأفلام الخليعة، والموسيقا الصاخبة، وما يرافقها من ممارسات سيئة كالرقص الفاضح، والأغانى الرخيصة والهابطة، وعرض الأزياء، وبرامج المغامرات والسطو والقتل، وبرامج الحرب النفسية الموجهة، وبرامج الأبراج والتنجيم ورجم الغيب، وبرامج اليانصيب، والطبخ والتجميل والتنحيف والتسويق، وما يرافقها من دعايات وإعلانات تجارية مبتذلة لا هدف لها إلاّ الربح الفاحش وغير المشروع .

وبعد مرور وقت طويل على شيوع هذه البرامج أمام أعيننا راح صداها يظهر([5]) في سلوكيات أبنائنا وتصرفاتهم، فانتشرتْ بينهم عادات سلبية، وقيم سيئة تتنافى مع ما توارثناه من قيم أصيلة، وها نحن نلاحظ طغيان المصلحة الخاصة للفرد، وتراجع الحرص على المصلحة العامة للوطن والمجتمع، فالبعض في سبيل البحث عن زيادة أمواله لا يتورع عن سرقة المال العام، والاحتكار وتقديم الرشوة، وهذا الحرص على المصلحة الخاصة يؤدى إلى التصارع بين الناس، كما نلاحظ التفرد والأنانية، والكبرياء والعجرفة، والخسة والفجور، والجُبن والبخل، والتبذير والإسراف وزيادة الاستهلاك، والكسل وقلة الإنتاج، والتبرج والسهر الطويل، وشيوع الجريمة، والعصيان والتمرد، وعقوق الوالدين، وهدر الوقت، وتعاطى المخدرات، واللا مبالاة، وغير ذلك الكثير الكثير.

ومع ذلك يبقى إصبع الاتهام موجّها إلى الفضائيات المعادية التى تبثّ سمومها بلسان عربي، سواء من داخل وطننا أو من خارجه، فهذه الفضائيات لا تنطلق من فراغ، وبرامجها تسير وفق تخطيط منظم محكم بعيد المدى، وأهدافها خبيثة، وهى الضرب في جذور الأمة وفي مستقبلها، فتصيب شريحة الشباب والفتيان اليافعين من أبنائنا

وفى المرتبة الثانية تأتى تأثيرات الإنترنت على القيم التربوية، فالإنترنت وسيلة عملاقة ومتنامية فقد حققت الإنترنت ما لم تحققه أية تقانة سابقة في تاريخ الإنسانية فقد حطمت الإنترنت حواجز الإحصائيات جميعها. فقد احتاجت هندسة المذياع إلى 38 سنة حتى أصبح لديها 50 مليون مشترك، بينما احتاجت خدمة التلفاز إلى 15 سنة واحتاج الحاسب الشخصي إلى 16 سنة، في حين أن الإنترنت احتاجت إلى 4 سنوات فقط حتى تخطت هذا الحاجز. ويتزايد عدد المشتركين علي الشبكة كل يوم ويتصفح مستخدمي الإنترنت الشبكة بـ 26 لغة ([6]) .

إن تأثيرات الانترنت واسعة جدا من خلال انتشارها الواسع في مجالات التجارة والترفيه والتعليم، والأمن والديمقراطية فى ظل الانترنت. فقد أصبحت الإنترنت تستخدم في التسوق والتعاملات المالية والمناقشات والمجادلات والاستشارات الطبية والتعليم والتأهيل الجامعى، وعلى مستوى العالم، لكن هناك الكثير من الأمور والمواد التافهة والضارة متوفرة على الانترنت أيضا، لذلك فإن هناك حاجة لمعرفة وفهم ما يجرى وصياغة سياسات مناسبة للتعامل معه، وفى هذا الصدد هناك حاجة للعمل المنسق والجماعي بين الأطباء والاختصاصيين والآباء والمحامين والاقتصاديين والعلماء وخبراء الكمبيوتر.

إن الانترنت يساهم مساهمة كبيرة فى تحطيم المناعة الأخلاقية لدى مستخدميه، كما يؤدى إلى ضعف التواصل الاجتماعى مع الأسرة . إن الوعى والأخلاق وقوة الوازع الدينى لدى مستخدمى الانترنت هى الفيصل فى قضية تأثرهم بما تحتويه شبكة الإنترنت . وأن الرقابة والقوانين التى تصدر بشأن إغلاق المواقع المخلة بالآداب تؤدى إلى تخفيض هذه النسب . إن الانترنت يسهم إسهاما كبيرا في إضعاف التواصل الاجتماعي مع الأسرة. وذلك من خلال استهلاك الشخص لمعظم وقته فى الجلوس إمام شاشة الإنترنت ولا يقوم بواجباته الأسرية ، مما يؤدى إلى خلافات كبيرة بين الزوجين وعدم قيام الشخص برعاية أسرته والتواصل مع أفراد أسرته.

وعلى الرغم من إن هذه الشبكة فضلا عن كونها احد أهم مصادر المعلومات العالمية نظرا لتعاملها مع العديد من بنوك المعلومات العالمية فى جميع المجالات فإنها تلعب دورا أساسيا فى تنمية البحث العلمى وتساعد الشركات التجارية على دخول الأسواق العالمية المختلفة. إن تأثير تكنولوجيا المعلومات لا يقف على نشر الحرية والديمقراطية فقط بل له انعكاسات على القيم الاجتماعية والثقافية ، فاخطر تهديد للمجتمع هو القضاء على المؤسسات الثقافية مثل العائلة والدين، والتربية والفنون التى تحافظ على الحضارة وتنقلها إلى الأجيال التالية

وفى النهاية فإن خلق البيئة التربوية النموذجية للطفل لهي من الأمور حقا الصعبة، فالمشكلة المهمة الآن هي لإيجاد البيئة المناسبة لزرع القيم والتربية من الطفولة إلى النهاية من البيت والمدرسة والشارع والبيئة المحيطة كالأصدقاء والجيران .......... إلخ. فهل تستطيع توفير المناسب من كل هذه العوامل المتعددة وجعلها مناسبة لتربية النشء على القيم والتربية الصحيحة. ولكن تلك العوامل المتعددة في التأثير في القيم والتربية المحيطة بالطفل تستعصى على أي تغيير.



[1] - نحو تربية إسلامية راشده – محمد بن شاكر الشريف

[2] - عالم الفكر – المجلد السابع –العدد الثالث -1976

[3]- فكر ونقد – مجلة ثقافية فكرية- صدرت سنة 1997 – المدير الادارى – محمد ابراهيم بن علو

[4] - موقع ميراد الثقافى – الشاعر د محمد الجاغوب

[5] - بحث مقدم ضمن أعمال الندوة العلمية التي تنظمها مجلة البيان -تحت عنوانالأسرة المسلمة والتحديات المعاصرة الرياض  15 ذو القعدة 1429 هـ الموافق  13 نوفمبر 2008 م  إعداد- الأستاذ الدكتور محمد بن سعود البشـر - أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

[6] - إعداد : نجاة وليم جرجس – رئيس التوثيق الآلى ومكتبة السودان- مركز التوثيق والمعلومات المركز القومى للبحوث - مصر
















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده




افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق