يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

هوامش جلال الدين السيوطى....وأدب المهمشـــين بقلم الأديب المصرى د. طارق رضوان جمعه

2021-06-02 11:31:22 شعر و أدب ...







هوامش جلال الدين  السيوطى....وأدب المهمشـــين

بقلم الأديب المصرى

د. طارق رضوان جمعه

مـــا هـــو الهامش؟ ومن هم المهمشين؟ وما أدبهم وهل له قيمة أدبية تُذكر؟

الهامش هو ذلك الحيّز المتروك جانباً بجوار المتن، فهو أشبه بإطار يحيط بكل شيء، وأنَّ لكلّ هامش دوراً أوسع من حيّزه الضيّق الذي أريد له أن يُوضع به. فهو الشرح والمتّسع في الكتابة والأدب، وهو الفنان الذي ينتظر القبول به، وهو ذلك الحي السكني القائم عند أطراف المدينة، والجندي المجهول في الحروب، والغريب اللاجئ في بلاد الشتات، والفقير المهمّش في الحياة الاجتماعية. ولكن الهامش ليس إضافة يمكن الاستغناء عنها. فمن دونه، لا تستقيم مفاهيم ومعارف مركزية كثيرة. إنه حاجة الاكتمال!

اعتدنا أن ننظر إلى الهامش على أنه تابعٌ ومُسيّر، قليل الأهميَّة، محدود الوظائف والمهام،لكنّه في الحقيقة ليس كذلك.. ولعل خير مدخل إلى رحاب الهوامش وما تنطوي عليه في شتى مناحي الحياة، يكمن في الأدب الذي كان تاريخياً أفضل من قرأ الهامش.

الهامش في الكتابة والأدب


هو قول ما لا يقله المتن في سياقاته، بل هو “كتابةٌ بطريقة أخرى” خارج التراتبية والتطويق. والكتابة الهامشية هي نوع من الانزياح أو الانعتاق من المتن وقيوده، بل تحرّر اللّغة من ضوابطها. هكذا اختبرناها في المخطوطات الأصيلة، لجهة مكانة الشروح والتفاسير، ففي “تفسير الجلالينمثلاً، الذي هو كما نعلم جميعاً مختصر في تفسير للقرآن الكريم من تأليف جلال الدين المحلّي وأكمله جلال الدين السيوطي، نجد الهوامش فيه أوسع من المتن جمالياً وفنّياً، كما نجد في بعض الصفحات ثلاثة أسطر فقط من الآيات الكريمة في المركز، تتجاوز هوامشها وشروحها الصفحتين، فيغرق المتن في الهوامش التي تزيد على النصّ الأصلي

فمن هم الكُتّاب الهامشـــيون؟ وما مميزات أدبهم؟

نسمع كثيراً عن الشعراء الصعاليك، والجماهير الغفيرة، والحكايات الشعبية، والكتّاب المغمورين، وكلّ الذين يمثّلون ثنائيات ضدّية، ويسعون إلى تأسيس ممارسة نقدية هدفها إقلاق راحة الثابت، وإحداث جدار من الصوت في أجواء محصّنة بالقوّة، و”تكسير مركزية اللغة وسيطرتها”. فكُتَّاب الهامش بطبيعتهم معروفون بمناصرتهم للقضايا الإنسانية العادلة، وقضايا الأقلّيات. فالكُتّاب الهامشيون لهم سلوكهم اللّغوي الخاصّ، يمتلكون النبرة المشاكسة، والصوت المُقلق، والخطاب المتمرّد، “ومن سمات لغة المُهمّشین إبراز الفَرق بین المُعلَن والمسكوت عنه بطابعٍ نقديّ لاذع، وهذا ما يُحدّد مميّزات الفئة المُهمّشة ولغتها، وخطابها، وهذا نوعٌ من ردّ الاعتبار لهم كونهم منسيين”. الكاتب الفرنسي من أصل جزائري جان جينيه، الذي لُقّب بـكاتب الهامشيين”، لم يتحدّث في كتاباته إلّا عن الضعفاء والمقهورين، (عُرفت عنه مناصرته لقضايا العَرب والعالَم، وانشغاله بدعم القضية الفلسطينية والثورة الجزائرية)، وهو من “جعل من نفسه بامتياز، رجل هامش الهامش"..

وقد تعمّد في إحدى مسرحياته، وهي مسرحية “الزنوج”، إعطاء المهمّشين مكانة المركزيين، وإنزال هؤلاء عن عروشهم ليعيشوا واقعاً مختلفاً. فقد ألبس الممثلين الزنوج أقنعةً على وجوههم وأعطاهم أدوار البيض من أعضاء الطبقات الاجتماعية العليا (الحاكم والملكة والكاهن وغيرهم). وفي لحظة محدّدة خلال العرض، تسقط الأقنعة، ويصاب المشاهد الأبيض بصدمة اللّون والجنس والمستوى الاجتماعي، صدمة تضع الآخر “أمام مرآة نفسه”.

ما العوامل التى ساعدت على نهوض أدب المهمشين؟ يعتقد البعض أنهذه العوامل تتلخص فى  تعمّق الإحساس بالانكسار بعد عام 1967م، وتراجُع القضايا الكبرى، وتهميش المثقّفين، وقد ازداد دور المهمّشين عمقاً مع انهيار الأنظمة الكبرى، وتفتت الأيديولوجيات، وغياب النماذج القياديةاـــكن إذا ما عدنا إلى كلاسيكيات الأدب وكُتّابه، نرى بعض أقسى صور التهميش الاجتماعي في رواية “مُذلون ومُهانون” (1861م)، وهي أوّل رواية لدوستويفسكي بعد 10 سنوات أمضاها بين السجن والمنفى في سيبيريا، وبعد رواية “الفقراء” التي حصدت نجاحاً واسعاً. وقد أعادت له الأخيرة سمعته الأدبية في روسيا، وأكمل فيها ما بدأه في روايته الأولى، إذ شكّل المعوزون والمحرومون محور الروايتين وفكرتهما القائمة على التهميش الاجتماعي وغياب العدالة


وكذلك الأمر في ملحمة “البؤساء” لفيكتور هيغو التي نُشرت في العام 1862م، وارتبطت بالفلسفة الأخلاقية والعدالة. تدور هذه الرواية حول المعاناة الاجتماعية لطبقة الفقراء والمهمشين خلال الفترة المحدَّدة ما بين سقوط أمبراطورية نابليون عام 1815م والانتفاضة الشعبية الفاشلة عام 1830م. ظهرت شريحة اجتماعية واسعة من الفقراء المهمشين، وهم الذين تناولهم هيغو في روايته “البؤساء”.

فمنذ القرون الوسطى كان النبلاء والاقطاعيون بقصورهم واهتماماتهم محور الحياة الاجتماعية والسياسية، وكل ما كان خارجاً عن عالمهم كان هامشياً. ولكن بدءاً من عصر النهضة، وبفعل التجارة وبعض الأعمال المختلفة، راحت تتشكل طبقة جديدة من الأثرياء الجدد الذين فاقوا بثرائهم النبلاء: إنهم البرجوازيون. وفي كلمة “برجوازي” ما يشير بوضوح إلى الهامشية. فالكلمة تعني “ساكن البورج، أي ساكن الضواحي. الأمر الذي أدى إلى اندلاع الثورة الفرنسية، وتسلم البرجوازية للسلطة الفرنسية، لتصبح هي صاحبة الحياة المركزية. وفي خضم الصراع ما بين البرجوازيين والنبلاء الساعين إلى استرداد مركزيتهم، ظهرت شريحة اجتماعية واسعة من الفقراء المهمشين، وهم الذين تناولهم هيغو في روايته. أما النبلاء الذين كانوا ما كانوا عليه في الماضي، فقد تقلصت مكانتهم الاجتماعية إلى مجرد جمعية، تُعرف اليوم باسمجمعية النبلاء الفرنسيين”..

يأخذنا أدب المهمّشين وكُتّابهم تلقائياً إلى جغرافيا المهمّشين الواسعة، أرض اللاجئين والغرباء، أصحاب العِرق واللّون والدين المختلف، هؤلاء الذين زحفوا من هوامشهم ليحتلّوا قلب المدن، ونزحوا من بلدانهم إلى دولٍ أكثر أمناً، وهو مصطلح يستخدم “للدلالة على فئة متميّزة بخصائص معيّنة يقلّ حجمها عن مجموع عدد السكان العامّ،

وتظهر الحقيقة جلية إذ أنه لا داعى ولا فائدة من تقسيم العالم إلى طرفين طرف أول يمارس القمع والاستبداد ضد الآخر، مدّعياً الحقيقة المطلقة. إنه تكريس التعالي والفوقية على آخرين يتقاسمون الجغرافيا نفسها، لكنّهم أضعف ومغلوبون على أمرهم. فأنتجت مجتمعات قسرية مُهمّشة ومُغلقة.

 وتحاول بعض النظريات الاجتماعية إعطاء تفسيراتٍ شاملة للظواهر الاجتماعية ومنها مسألة التهميش. ويستعيض أغلب الباحثين اليوم عن مفهوم الطبقة المهمّشة والمسحوقة بفكرةالإقصاء الاجتماعي”. وعلماء الاجتماع هم أوّل من وضعوا معالِم هذا المفهوم، غير أنّ السياسيين هم الذين يستخدمونه بكثرة للدلالة على اللامساواة.

وقد رصد عالِم الاجتماع الدكتور فردريك معتوق التشكّلات التاريخية لظاهرة التهميش، وأوضح أنّ البشرية عندما اعتمدت منذ غابر الأزمنة نظام العبودية، أنشأت أوّل وأقوى شكل للتهميش، لكنّ المسألة لم تتوقف .ففي قراءة لأمراض المدينة وما تُنتجه من بيئاتٍ مهمّشة، يرى الكاتب إدريس مقبول “أنّ المدينة العربية الحديثة تصنع المتناقضات السخيفة، بل إنها تستفيد منها وتتغذَّى عليها؛ وتكمن وراء كل الأوضاع المختلة وغير الطبيعية، أكداسٌ من مشاعر الغضب والحقد على النازحين، إنهم سبب كل آلام المدينة وفاقتها. وتسري هذه المشاعر الهوجاء والسوداء في شرايين المدينة، تلاحق ضحاياها في جميع الهوامش والأطراف وعند الملتقيات، تُسبّبُ جروحاً غائرة، وتمحو بقايا الشعور بالانتماء إلى المكان، تذكّرهم بأنهم غرباء باستمرار، ولو حازوا بطاقات هوية وشهادات سكن في أحد أحياء المدينة التي تستثقلهم. وهذه الصورة المختزلة التي تتكرّر تجاه الريف أيضاً: “هذا الريف المختلف الذي حوّلته السياسات التنموية إلى مجرد مجال منسي تنخره الأمّية والعصبيات القبلية، وتحكمه السلطة بأدواتٍ عتيقة، تصنع مأساة الريف على مرأى ومسمع من المدينة القريبة، التي أوصدت أبوابها ونوافذها ونامت بلا اكتراث”.

ويمثِّل الشعراء الصعاليك ظاهرة في تاريخ الشعر العربي. فهم مجموعة من الشعراء الذين عاشوا ما بين أواخر العصر الجاهلي وبدايات العصر العباسي، وتميّزوا باتباع نمط حياة مختلف وخاص بهم، حتى ليمكن وصفه حرفياً بـ”الهامشي”. وأكثر من ذلك، كان شِعرِهُم، وبعضه من عيون الشِّعر العربي، مختلفاً كل الاختلاف عما كان عليه الشعر “الموقّر”، إذا جاز التعبير. “الصعلوك” هو الفقير حسبما جاء في “لسان العرب”.

والسمة المشتركة ما بين الشعراء الصعاليك هي في تمردهم على قبائلهم وقيمها الاجتماعية، فلفظتهم هذه القبائل، وانتقلوا إلى العيش على هامشها. فكانوا على سبيل المثال، يفضلون علناً كسب لقمة العيش بالإغارة على بعض النواحي، والنهب والسلب، بدلاً من امن التكسُّب من مدح علية القوم كما كان يفعل غيرهم من الشعراء الرسميين. وبتفصيل أدق، يقسّم مؤرخو الشعر العربي الصعاليك إلى ثلاث فئات من حيث الدوافع أو الأسباب التي أدت بهم إلى الصعلكة. فهناك أولاً فئة “الشعراء المجّانالذين كانوا ينظمون شعراً لا تقبل به القيم القبلية المحافظة، و”أبناء الحبشيات” الذين لم يعترف آباؤهم بأبوتهم لهم، وفئة احترفت الصعلكة، وارتقت بها إلى مستويات الفروسية من حيث التمسك بقيم الشجاعة والكرم والإحساس بالكرامة الشخصية.


ففي حين أن بعض شعراء الصعاليك كانوا مجرد لصوص، يسرقون وينهبون لصالحهم الخاص، مثل أبو النشناش الذي عاش في العصر الأموي، فإن كثيرين منهم كانوا على فقرهم مشهورين بكرمهم، يغيرون وينهبون لإطعام الفقراء من أمثال عروة بن الورد. ويؤكد تاريخ الفن أنه قبل أواسط القرن التاسع عشر كان الفنان  التشكيلى متصالحاً تماماً مع المجتمع. فهو كان يرسم بناءً على طلب يتلقاه من عميل. وكان العملاء من عِلْيَة القوم.

وكثيرون منهم كانوا من نجوم الحياة الاجتماعية. في أواسط القرن التاسع عشر، ولأسباب عديدة راح بعض الفنانين في فرنسا أولاً يرسمون لوحات لم يطلبها منهم أحد. فقد أرادوا التعبير عن رؤيتهم للعالم بأساليب مختلفة ومتفلتة من القيود الأكاديمية التقليدية في فن الرسم. فكان من الطبيعي أن ترفضهم الأكاديمية في معارضها السنوية، وبقي هؤلاء لأكثر من عقد من الزمن يعيشون على هامش الحياة الثقافية في باريس، إلى أن تقرَّر إقامة معرض خاص بهؤلاء، يقال إن الإمبراطورة أوجيني هي التي أطلقت فكرته، ويحمل الاسم “المهين”: “معرض المرفوضين”، أي المرفوضين في الأكاديمية. وفي معرض المرفوضين هذا عرض مونية عام 1848م لوحته الشهيرة: “انطباع، شمس مشرقة”، التي التف حولها عدد من الفنانين الطليعيين عُرفوا في ما بعد بالانطباعيين.

فرغم أهميتهم الفنية والثقافية، بقي معظم الانطباعيين بفنهم على هامش الحياة المركزية، وبعضهم لم ينل أي تقدير في حياته مثل فان غوخ الذي لم يبع غير لوحة واحدة في حياته، وكان شقيقه من اشتراها من باب العطف عليه.

ومن ظواهر الحياة العصرية في المدن الأوروبية والأمريكية بشكل خاص، نزول الفن من علياء صالات العرض والمسارح إلى الشوارع. لكنهم  هناك لأن “المفوضية” الثقافية الحاكمة لم تحتضنهم، فبقوا على هامش الحياة الثقافية الرسمية لهذه المدينة أو تلكوإن كانت موسيقى الشوارع هناك، فإن وجودها يعود في معظم الأحيان إلى عوامل فردية، تتراوح ما بين عدم ارتقائها إلى المستوى المطلوب في المسارح الراقية، وسوء التدبُّر في إدارة العمل عند الفنان الجيد، تدل على ذلك علبة جمع النقود من المارة. ومن العلماء الفقراء (المفلوكين) الذين عاشوا فقراء أو تعرضوا للسجن والاضطهاد: القاضي عبدالوهاب، والأخفش إمام اللغة والأدب والنحو مات عام 315 هـ غماً عندما نهره الوزير العباسي أبو الحسن علي بن عيسى، والترمذي المحدث إمام الشافعية في عصره (توفي عام 295هـ)، والحافظ عبدالغني المقدسي، والخليل الفراهيدي واضع علم العروض وأوزان الشعر، والطبري شيخ الشافعية (توفي عام 450هـ)، وابن خلكان مؤلف كتاب وفيات الأعيان من أشهر كتب التراجم في التراث العربي، والشيرازي إمام عصره في المعقولات (توفي عام 710هـ)، وابن دريد إمام عصره في اللغة والأدب، وابن هانئ الأندلسي الشاعر المشهور، وابن الخشاب البغدادي، وعلاء الدين الباجي، وواصل بن عطاء إمام المعتزلة، وسيبويه حجة النحو (توفي عام 180هـ وعمره 32 عاما)، والقاضي شريك وأبو بكر النيسابوري وابن حزم، وإن كان غنيا ووزيرا وابن عائلة علم ونفوذ، فقد شرد وتوفي في الصحراء عام 456هـ، وابن دحية الكلبي والشاطبي إمام القراءات وأصول الفقه، وياقوت الحموي مؤلف معجم الأدباء ومعجم البلدان وأبو حامد الأسفرايني، ونفطويه وابن خزيمة وأبو الفضل الميداني وأبو العلاء الهمذاني وابن الجصاص، والفارابي إمام الفلاسفة العرب بلا منازع عمل ناطورا ببستان في دمشق، وهو في ذروة علمه وشهرته والهروي والبيهقي المحدث والإصطخري عالم الجغرافيا والرحلات (المسالك والممالك) والحريري صاحب المقامات، والنووي إمام الشافعية ومؤلف كتاب المغني أهم مرجع في الفقه الشافعي، وروى وشرح صحيح مسلم، كان يأكل وجبة واحدة في اليوم مما يرسله له أبوه من بلدته نوى في حوران، وكان يقيم في دمشق في المسجد الأموي، وكان طعامه دائما من الكعك اليابس والفواكه المجففة وملبسه من الثياب المرقعة ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل سُجن وعُذب وأبو حنيفة سُجن وعُذب والبخاري سُجن وعُذب والنسائي.. وغيرهم.

 وفى السينما العربية هناك تراكم من  الإبداعات التي تتحدث عن التهميش والمهمشين مثل أعمال: نجيب محفوظ، يوسف إدريس، يحيى حقي، إبراهيم أصلان، خيري شلبي، صنع الله إبراهيم وغيرهم. ومن أشهر النماذج روايات {اللص والكلاب}، حيث البطل سعيد مهران، ورواية {القاهرة 30} وبطلها محجوب عبد الدايم، وكل منهما من المهمشين الذين تحولوا إلى انتهازيين ومجرمين تحت وطأة المطاردة والقهر.

ويتفق نقاد كثر على أن مشكلة البطل المهمش قديمة في الأدب، فالرواية والقصة وكل الفنون الأدبية تتحدث عن ممثلي الإنسانية وهم الأثرياء ذوو النفوذ ومن الطبقات الفاعلة في المجتمع. ومن هنا جاءت الكتابات التي تعني بالتعبير عن البطل {المهمش} وشؤونه الخاصة وما يعتمل داخل ذاته، وهذا المنحنى تعاظم دوره في الرواية والقصة والشعر. وأحد أبرز الذين عبروا عن هذه الحالة  يوسف إدريس، خصوصاً في قصته {بيت من لحم).

وتناول الناقد والأديب يعقوب الشاروني {الفتاة المهشمة بين الحكايات الشعبية والكتابة الحديثة للأطفال}، وكتب الباحث محمود عرفات {الموتى يثرثرون في الفضاء قراءة في رواية لمحسن يونس}. وضم الكتاب دراسات عدة من بينها {المهمشون دود الأرض قراءة في قصص شرق الدلتا} لفكري داود، و{قضايا الناس ورؤاهم.. من الهامش إلى المتن} لسمير الفيل، {رحيق الأماكن.. حنين للوطن نماذج التهميش في شعر العامية}، {العربي} لعبد الوهاب و{قصة الفاعل من الصعلكة إلى التهميش قراءة في شعر الفصحى} للباحث محمد محمد عيسى.

نستخلص من البحوث الاجتماعية أن الهامشية اجتماعياً موقع اجتماعي، تبعي ( = غير قيادي )، أسفل العملية الإنتاجية أو خارجها، غير متكيف أو ضعيف الاندماج.

أولى النتائج أننا نستطيع أن نقرأ التهميش في نصوص كثيرةٍ عبر التاريخ الإنساني بوصفه وضعاً إنسانياً يمكن أن يعانيه الناس في كل أمة، ولكننا كلما تقدمنا مع النصوص وتقدم بنا الزمن ووصلنا إلى تسعينيات القرن العشرين ألفينا مفهوم الهامشي قد أصبح شعاراً أدبياً وثقافياً مرفوعاً أو مايشبه الشعار. وإذا نظرنا إلى الحالة الأولى : قراءة التهميش في النصوص عبر التاريخ، فقد نرى أن أحق الآداب بأن نسميه أدب المهمشين هو الأدب الشعبي بالمعنى الذي يردنا إلى الفولكلور؛ فهذا أدبٌ ألفه مهمشون حتى أننا لانعلم اسم مؤلفٍ منهم في كثيرٍ من الأحيان، وقدموا فيه ثقافة يتبناها الجماعة الشعبية المهمشة، عبرت لهم عن تهميشهم وقاومته .

والنتيجة الثانية أن كلمة التهميش تُسْتَخْدَمُ باشتقاقاتٍ مختلفةٍ بين المعاصرين على نحو واسع المدى، ولكنها لاتكاد تحظى بتعريفٍ واحدٍ دقيق – في حدود مانعلم – يَضبطها ويُعَرِّفها ويُحَدّد المقصود منها . وهو نقصٌ كبير يشوش المعنى كثيراً

وبطبيعة الحال ليس شعور الأديب بأنه ذاتٌ مهمشةٌ شعوراً مبتكراً لم يعرفه الأدب من قبلُ. وهو في ذاتِهِ قد يتخذ صورتين : الصورة الأولى أن يكون مدارُ النص حول أديبٍ مهمشٍ .

والصورة الأخرى أن يكون الخطابُ في النص منطلقاً من الذات، سيرياً . هذا ما جعل السيرة الذاتية فناً جذاباً للكتابة التسعينية، وجعل كثيراً من الروايات ممسوسةً بهذا المس السيري : فلايمكن لقارئ رواية ميرال الطحاويالباذنجانة الزرقاء ” أن يغفل عن هذا السرد السيري فيها، وما يسري فيه من تأمل استبطاني واضح . وقد يعجب القارئ لأنه يجد نصاً أقرب مايكون إلى السيرة الذاتية، ولكنه لايتضمن خبرة واحدة خطيرةً، أو خبرة تتعلق بمصائر هائلة وإنجازات كبيرة مما يكتب الكتّـابُ سيرَهم لإظهارها . ولكن استخدام الأسلوب السيري معلولٌ بأكثر من علةٍ : العلة الأولى أن الخطاب السيري تقنيةٌ في ذاتِهِ – قبل أن تكون السيرة نوعاً – تحرر السرد من تقاليد القص المتبعة وتقربه من الحكي اليومي وتداعيات الذات . والعلة الثانية أن الخطاب السيري إذ يتابع تداعيات الذات يسمح بتأملات مجردةٍ، تنتقل بالخطاب إلى ما يشبه التأمل الفلسفي، مبتعداً به عن روائية السرد، إمعاناً في التحرر من تقاليد القص إلى حد الخروج عن النوع الأدبي وتجاوز أسواره . والعلة الثالثة أن الذات تريد أن تستعرض عالمها على خلوه من الأحداث الكبرى، لأنها تريد أن تقرأ هامشيتها، لا أن تدعي بنقيضها .

 
















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده




افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق