يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

الكتابة هذا الفعل الخارق

2019-08-14 13:33:25 اقلام و اراء ...






الكتابة هذا الفعل الخارق، هذه المعجزة التي من خلالها أستطاع الانسان القبض على الكلام فَخَزَّنَهُ على جدران الكهوف والألواح ولحاء الشجر... وعلى الأوراق... فتأسست بذلك ذاكرة الإنسان الجمعية، فكان تاريخ وابداع وقوانين... 
لا ليست فقط القبض على الكلام فقد ارتقت وظيفتها للقبض على الأفكار والأحلام والتصورات... ولولا الكتابة لكان تاريخ البشرية غير ما نحن عليه اليوم...
 الكتابة وثَّـــقَتْ ولَجَمْتْ الكثير من الدعاوى الكاذبة والتزوير وإن سجلت أيضا للعديد من التحريف والتدليس عندما تم اختراق قدسيتها وسطت عليها أيادي الغزاة والفاتحين ومزوري التاريخ الحديث والقديم...
عندما وعيت فعل الكتابة وتأملت دورها أصبحت أنظر إليها بتلك الرهبة الذي ينظر بها طفل، في ليلة صيف، إلى سماء مرصعة بالنجوم...
رؤيتي للكتابة لم تَثْبُتْ على حال منذ بدأت هذا الترحال بين الحروف والكلمات...
كانت، في البدء، اقتفاء لأثر الأب الذي تقول حكاية "دادا" (أختي الكبرى العاقر التي تكفلت بتربيتي)، أنه كان شاعرا ومقاتلا في صفوف الهيبة ولد ماء العينين... كان يكتب بشفتيه ليقرأ الآخرون بآذانهم ليتنقل القول بين الناس بالتواتر...
هذا السعي وراء أثر والدي، الذي لم يترك خلفه أي أثر يدل عليه، حققت به لقبا بين الأقران، وأنا في الخطوات الأولى من اليفاعة، وطالني منه فصل من القانون الجنائي المغربي يقود إلى ساحة الاعدام ذات محكمة كبرى لأمن الدولة ( دائما نكتب حتى وإن لم نترك خلفنا إلا جرحا بحجم الفاجعة وندوب كنياشين المعارك الشرسة)...
ستصبح الكتابة، بالنسبة ليافع كبير، تدحرج من قرية جنوبية بسفح جبل، إلى أحد مدن الصفيح بالدار البيضاء، أذاة تمَيُّــــزٍ بأزقة أنيقة بوسط المدينة، نهاية ستينيات وبداية سبعينيات القرن العشرين، حيث كان الجمال يعلن عن حشمته من خلال تنورات "الميني جيب mini jupe" والأكثر حشمة "الماكرو جيب micro jupe" وكل ما يحول الأرصفة إلى حدائق للفتنة والزهو... وكان لي، أنا المعدم، أن أقبض، من خلال الكتابة، ليس على الكلام فقط ولكن على عبق جميلات عبرن قصائدي إلى دروب الحياة حيث لا تبدو من السفن التي أمخرت في عرض البحر إلا الأشرعة أو دخان المواجع...
الكتابة أيضا، وإلى جانب ما سبق، أصبحت سلاحا من أسلحتنا في جبهة مواجهة الطغيان وفضح النهب والتدليس... وأخيرا، وأنا في هذا السن المتقدم من العمر، أصبحت وصية الذاهبين إلى حال سبيلهم من بوابة الرحيل الأبدي ولا أقول الموت...
بالرغم من أنني، في بداياتي الأولى، سلكت طقوسا أشبه بطقوس سحرة القرون الغابرة، وتوسلت إليها بابتلاع كل ما قد يؤدي بــــي إلى الهلوسة من أجل إنتاج نصوص بها من الجرأة والغرابة تشي بلحظات الجنون التي كنت أصل إلى معارجها (للأسف هذه النصوص أعدمها المؤتمن عليها عندما وصله خبر اعتقالي).. وبالرغم من كوني سلكت طريقا شائكا، محفوفا بالمزالق والمهاوي، كان من الممكن أن يؤدي بي إلى الموت أو الجنون، فإنه في مرحلة الالتزام اليساري توقفت عن كل المؤثرات الخارجية ولم تكن لي طقوسا إلا ما تفرضه المكابدة ولحظة المخاض. لذا كان عليك أن تكتب بيت شعر على جدار معتقل رهيب، كمعتقل درب مولاي الشريف، بظفر سويته من حلقة معدنية نزعتها من حذائك الرياضي من أجل ترك رسالة للقادمين بعدك تخبرهم عن إمكانية الصمود والمقاومة في هذا الجحيم... يمكن أن تُثَبِّتْ قطعة ورق مقوى ملساء، فوق مرقدك، يتدلى منها قلم رصاص، لتستطيع القبض على فكرة أو بيت شعر في ليل زنزانة سجن فظيع كالسجن المركزي بالقنيطرة في بداية السبعينات من القرن الماضي، لأن نصك يتبخر في الصباح عندما تحاول تدوينه تماما كما تفقد الأحلام الجميلة ألقها عندما نعيد سردها على الآخرين...
والكتابة كالطلق قد تفاجئك في خلاء أو وسط الزحام، في أي مكان أي مكان... وهي بذلك، بالنسبة لتجربتي، تفرض طقوسها التي لا دخل لي فيها إلا الاشراف على سلامة المولود الجديد...
والنص، كما الجنين في الأحشاء، غالبا ما ينكتب فينا قبل أن ينزل إلى الورق...
وعلي أن أجزم أنه لا يوجد نص كامل ولا طقوس محددة... وأنه سيأتي من سيضيف لآثارنا، فوق الرمل، أموجا آخرى لا تشبهنا...
توفيقي بلعيد
البيضاء 08 يونيو 2019



















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق