كلنا بنحب الكتابة
#اربح_من_الكتابة_بحرية_تامة
سجل حسابك بالموقع الان

محمد طاهر النور يكتب: ثورات الخبز ، ثورات الحرية .. هل ستنجح؟

2019-04-15 07:05:29 اقلام و اراء ...









" هنا في هذه المدينة لم يقتلونا بالرصاص.. قتلونا بالقرارات ". 
غابرييل غارسيا ماركيز.




رحل الرئيس عمر البشير ، لكن أيام الخوف والقهر والجوع والعذابات لا ترحل ، فلا زال عسسه يستقرون في صديد السلطة ، كالأوساخ في الطرق ينتشرون، كالآفات يتناسلون، ثمة امتداد لهم ، ثمة امتداد للطغاة والطغيان دائما ، باقون أبدا ، لا يبيدهم أي مبيد حشري في العالم ، نحسبهم ماضون إلى المزابل في الصباحات الأولى من كل يوم عشناه ، نتصور صرخة مدوية تخرج من أفواههم ، انطلقت من قلب الظلام ، لفتهم مع هوامش التاريخ ، ورمتهم في خنادقه ، ثم نسيناهم وعشنا في سلام .. كل يوم نحلم بذلك اليوم الأغر ، الذي نسمع فيه حقيقة ، لا خيالا ، أن الرئيس فتح أبواب قصره وهرب إلى ما وراء البحار، آخذا معه عسسه ، تاركا وراءه وزراء يركضون في كل اتجاه، بحثا عن أمان ، يوفره لهم الذين صبروا على أيام العطش والجوع والرياح السياسية
العاتية.

الصورتان متطابقتان ، والشعوب أينما وجدت ، في السودان ، أو في تشاد، أو في الجزائر ، أحلامها واحدة . إن الطغاة ، يفكرون في السلطة بعاطفة متّقِدة ، لا تني تدفعهم إلى مزيد من اختلاق الحِيَل، التي تبقيهم لأطول فترة ممكنة .. إنهم حين يواجهون ثورات الخبز، ثورات الجياع، ثورات الحرية، لا ينسون الصعوبات التي تشكلها لحكمهم تلك الثورات، وعليهم إيجاد القدر اللازم من الوقت، لفهم حقيقتها وحقيقة من يقودها، ومن يموّلها ، والشيطان الذي يتآمر معها، ويقف وراءها، وإدراك التحديات الجمة التي تمثلها هذه الجموع الغفيرة الضامرة. 

بالتحديات يستحضرون جميع التفاصيل والأسباب، فالوقوف أمام منصات الجماهير الغاضبة ، والمطالبة بالتهدئة ، لن تكون ذات جدوى، ولن تملأ الكأس الفارغة ، بالنسبة للثائرين، سيكون إحساس التهدئة ضربا من المحال، لأن قلوبهم لا زالت تغلي، تضطرم بنار الثورة. تهوين أمر مواجهة الشعب ، هو الخيار الأكمل، الذي يتيح لهم سانحة كبيرة ، لدراسة الوضع السياسي من كل جوانبه، والبحث عن بلسْتيشِن جديدة ، وخازوق جديد ، ودون كيشوت جديد يخلف سلفه.. لا يهم  أن يذهب الرأس ، المهم أن يبقى الذيل ، ليكون في المستقبل الآمر الناهي، ولن يصل الأمر السياسي إلى تناغم يريح الضمير الشعبي ، إلا بحضوره ومشاركته في دمية السلطة

هذا بالضبط ما يحصل ، ولماذا لا يحصل ؟ أليسوا هم حكام هذا البلد ، يعرفون آبار بتروله ، وخزائن أمواله ، ومخابئ كنوزه ، ومناجم ذهبه ، يعرفون كل شيء فيه، إنهم مراياه ، مرايا شعبه ، مرايا الليل والنهار . وبعد استبعاد رجالات الواجهة وأكابر مجرميها ، واستصدار بيانات وتشنُّجات هزيلة ، يمتلكون زمام الأمور، ومثل العائد إلى نبعه ، يدقون أحراس العودة بثوب آخر جديد ، خِيطَ بأوتار الثائرين ، بعرق الجياع ، بدماء المناضلين ، الذين يعتقدون أن الخلاص في الوجه الجديد . وهو ما حدث فعلا ، في تونس ، وفي مصر ، وفي اليمن ، وفي ثورات ما سمي بالربيع العربي .


قراءة الثورات ، سواء في تونس ، أو مصر ، أو الجزائر ، والسودان أخيرا ، قد تكون معقّدة ، ومحيرة في آن ، فرغم كل شيء ، تظل الثورات محفوفة بالمخاطر، وغاياتنا نحن الشعوب الأمن والعيش في أمان ، لكن الغاية تصطدم بالوسيلة في اغلب الأحيان، وفجأة يستحيل الاختيار الذي فضلناه ، ومن أجله هتفنا، وفي سبيله خرجنا ، أصواتنا تعلو ولا تهدأ ، قد نجوع ، قد نعطش ، والعطش يهدم الحناجر المبحوحة ، وقد نموت، وفي النهاية يتملكنا الذين تناسلوا من العجائز، الذين طردناهم من السلطة، مسيطرين على الوضع الذي تركه لهم ، قادتنا السياسيين ، المشهود لهم بالنزاهة وحسن الطوية ، متقوقعين في ذات العالم الذي يضج بالمتغيرات، ليستسلموا معنا لقدرٍ مشؤوم، يدير لعبته العسس الجدد كي يواصلوا مسيرة أسلافهم ، يجرعوننا المرارات، يقتلوننا بالقرارات، يعيدوننا إلى الحلقة الأولى، ويخلقون لنا ذاكرة يتناسل منها النسيان .



إن رضيت الجماهير السودانية المعتصمة ، أمام مقر أركان الجيش وفي كل الميادين والاعتصامات ، بالخطة التي حضرها قادة الرئيس المخلوع ، فسوف تكون ثورتهم الأبية ناقصة، وسيبتلعها العسكر، مثلما ابتلعها السيناريو القديم ، وكافات السيناريوهات التي حصلت في قارتنا، وفي العالم العربي .
قادة أفريقيا، لا يفهمون أن ثورات شعوبهم يحركها الجوع، وما لم تسد هذه الحاجة، فإن رياح التغيير آتية لا ريب فيها ، والشعوب سوف تثور مهما طال بها الرقاد، والاكتفاء بالرغيف المُر، والتحسر على الآمال المهدورة ، التي بقدر ما راهنوا عليها، تتلاشى بين أكف الطغاة مثل حلم بين جمر احترق ، تركض وراءه جموع تزحف على شوارع ترابية، ترنوا للخلاص.

أعلم ، إنما الحرية في أفريقيا ، أمست غبارا في مهب الريح ، وادعاءات الأنظمة ظلال وخداع ، تكتشفه تطلعاتنا إلى المستقبل ، فلسوء الحظ ، نحن نعيش تحت قبضة أنظمة تمتهن القتل ، ولا تفرق بين الإنسان والحيوان ، إلا بقدر انتساب كل امرئ إلى القبيلة أو الحزب أو سدنته . فلا يكفي الإصغاء إلى أصوات قادتنا الصغار، منتظرين الحقيقة الثابتة  التي لا تمت بصلة إلى أخبار الخوف، التي يبثها إعلام فوضوي ينشر المئات من الأكاذيب اليومية .



وفي مثل هذا الوضع ، تحتاج الشعوب لرجل صارم ، محنك ، وبارد الأعصاب ، يتعامل مع أشد اللحظات مرارة بنفَسٍ وراحة طويلين ، تتناسب وحال الاحتقان العام في الشارع ، يسعى إلى كشف عورات الخونة ، والمخربين ، ولصوص الثورة ، وقاطفي أحلام الشعوب ، يضع عينه على المسيرات التي يقودها الشباب و" الكنداكة " السودانية بشجاعتها ومساعيها في النضال . في السودان أصبحت المرأة، رمزا للنضال الثوري. آلاء صلاح التي قادت الجماهير، بأغانيها وأناشيدها ، خير مثال على ذلك .  فهل ستنجح ثورتهم يا ترى ؟
في الأخير، لا أريد استدعاء الذاكرة ، ولا الغوص في الألم ، ولكن أتمنى أن يواصل أهلنا في السودان نضالهم المستميت ، ولا يسمحوا لثورتهم المجيدة أن تُسرق . أصوات الشعوب الحرة معهم ، أصواتنا معهم ، وكذلك صوت شاعرهم العظيم إدريس جمّاع :


" هنا صوت يناديني
نعم لبيكِ أوطاني
سأرفع راية المجد
وأبني خير بنيان
هنا صوت يناديني
تقدم أنت سوداني " .


















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق