يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

قصة الميت شعبان جمال بربرى

2019-03-06 15:14:55 قصص و حكايات ...






الميِّت شعبان



 عاد من جبهة القتال إلى قريته مفعمًا بالأحلام،
حاملا شعار النصر، وبعض نياشين ظن أنها اكبر من كنوز الدنيا، كبضاعة نادرة ونفيسة
لا تشترى.



عند مدخلها تحلّقوا حوله كبطل عاد للتو، لا بل يندبون
أحوالهم متباكين على ما قد آلت إليه هذه الأحوال، ويقولون له بالدموع الخرساء
عبارات أبلغ ممّا تعودت أن تنطق بها شفاههم.



 لم يستطع محاربة الفقر على مدى سنين عاشها حين
هجر سلاحه، راح يطلق عليه صرخاته العالية دون جدوى، بعد أن كانت بالأمس تبث الرعب
في قلوب أعدائه، ما لبث أن عرض نياشين النصر خاصته على التجار، رفضوها بضحكة بلهاء
قالوا له:



 - علقها على حائطك المشقوق لعلها تغدق عليك
بالنعم وتمحي منها غدر الزمان....



أسقطت العثة صورته التي يعتز بها وكأنه سقط معها، لاذ
بالصمت تماماً، باتت عيناه مغمضتين ويداه باردتين، وجهه الهادئ سكب عليه الموت
لونه الزعفراني، في ما مضى كان ينام مبكرا ليغدو فجرًا مع أبيه إلى الحقل أو ليعود
إلى ثكنته بعد فرصة قصيرة، أما هذه الليلة فإنه سينام ملء أجفانه دون تقلب، لن
يوقظه رنين ساعة تعودت على إزعاجه حيث تفر أحلامه من أسفل وسادته.



 هذه الليلة نام طويلاً بينما زوجته تحتضن يده
الباردة وتعفّر بها وجهها وعينيها، وابنه يمسح دموعًا خرساء تنزلق بين تجاعيد وجهه
حتى شفتيه المرتعشتين، وأخوين ينتحبان ملتاعين وأناس يأتون صامتين ويذهبون باكين
نادبين في مشهد جنائزي.



الليل في الخارج كان ساكنًا. يلتحف بالصمت المطبق على
وجوه الفقراء الذين يتناوبون لعيادته، لا حيلة لهم سوى التضرع  إلى خالقهم، عسى أن ينجو من نومته هذه، قال
أحدهم فوق رأسه وكأنه ينعي:



 - كأنه ؛ مثل زهرة أقحوان قصفت العاصفة ساقها،
متناثرة أوراقها في كل صوب! تقاوم، تتمايل بشدة، تأبى أن تنحني عند هبوب العاصفة.



أخذ القمر يلوذ خلف الجبل، يرسل من بقايا أشعته خيوطًا
من فضة تنساب بين أشجار الكافور وترمي بظلالها إلى الجبال أشباحًا مخيفة.



 وحين طلعت الشمس من وراء الجبل، عانقت أشعتها كل
الأشياء الحية، إلا هو بات من دون ظل، قبل أن تحمله الأكتاف إلى حيث سيرقد في ظلمة
باردة، وكأنه في نوم عميق، مفترشا سريره، مطمئن البال.



 حملوا نعشه لمسافة لم تكن بعيدة، كل شيء كان
جاهزًا لاستقباله ، هي هكذا الحياة تستقبلنا ببطء ثم ترمينا بسرعة في طابور الموت
ولكل منا تذكرة حتفه !



 أدخلوه اللحد، حاول الحفار ترتيب عمله، فوجئ
باختفاء الجثة وكأنها تسامت، طلب من الجميع الإسراع بإهالة التراب عليه حتى يقبض
حقه...



 برغم ذلك شاع
الأمر بين أهل القرية، أخذوا يتهامسون :



-
رفض شعبان القبر، مازال قويًا لم يسقط ، انطلق عاريًا يحارب الظلمة، صورته في جوف
القمر، آثار قدميه على الحجر...



بات ذلك الأمر يزداد تأكيدًا كلما سمعوا الرصاص ومات
أحد الظلمة، لكن هناك من يقول:  



 - قرر أن يعود إلى قبره بعد أن أعياه تعب الحياة
وعذابها فاستقبله الحفار بحفاوة ضاحكا:



-
قبرك جاهز، دوما تأتي بالوقت المناسب كعادتك....



هز رأسه:



-
نعم كعادتي، أنا ابن الحياة والنصر، وكعادتها ترفسني بكعب قذر.



التزم أهل القرية الصمت حين صدقوا الحكاية الأخيرة،
لكنهم مازالوا ينظرون نحو جوف القمر......

جمال بربرى 


















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق