يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

قصة بطون خاوية

2019-03-11 06:09:06 منوعات ...






بطون خاوية



يعود
"صابر" مع غروب الشمس إلى جحره الطيني، الجاثم في ذلك الزقاق على أطراف البلدة..
يدلف من الباب القديم الذي لا يحمل من هيئة الباب سوى مكانه الساتر لما خلفه من فقر
وكآبة، ولكنه في الحقيقة لا يتعدى بضع ألواح قديمة منتفخة من الماء والرطوبة، متراصة
في كيان واحد، تصدر مع كل حركة صريرا كئيبا ومزعجا. يضع "صابر" جوالا يحوي
ملابس عمله المتعرقة، ويرسل صوتا متهالكا ومتعبا في أنحاء المكان، يستدعي أفراد أسرته
الصغيرة.. فتهرول نحوه زوجته وأفواه أطفاله الصغار تهتف باسمه.



للحظة يشعر
بالسعادة تسري في عروق جسده المتعب، يغادر بروحه شرنقة أحزانه ويهرول بقدمين عاريتين
على مرج من العشب الأخضر.



بطرف عينه
يلمح من خلال سقف لا وجود له سرب حمام يشق السماء فوق داره، فجأة سقطت أمامه حمامة
بيضاء، يبدو أنّه أصابها بعض التعب والإعياء، يهرول ناحيتها، تطير مسافة بسيطة.. تعتلي
بناية عالية، يتأمّلها وهى تنظر ناحية السرب، 
تلتقي العيون في لحظة صمت رهيب... يغيّر كل واحد منهم اتجاه نظراته نحو السماء،
وكأنهما يشكوان إلى رب السماء.



تستجمع الحمامة
قواها وتطلق جناحيها في الفضاء، تبزغ ابتسامة من روحه المعذبة والتي دائما تئن ولا
يسمع صوت صراخها سواه. 



تخرج منه
تنهيدة .



ربما نحزن..
لكن ما باليد حيلة، والحمد لله على كل حال، تلك الكلمة التي يجب أن تقال مهما كانت
الصعوبات والظروف القاسية، هكذا أنطلق مهرولًا نحو الرزق الذي سقط من السماء.



يخرج من البيت
باحثاً عن أسبابِ السعادة لا توجد، يحاول أن ينثر الابتسامة على الوجوهِ التعيسة، التي
تقاسمه المِحن وقسوةَ الحياة، يحاول أن يقتل معهم بين أكواب الشاي والنكات حزن وكآبة
وهم لا ينتهي.



 تلتهبُ ظهورهم نهاراَ بسياط الحاجة، وفي المساءِ
يتقاسمون الحكايات محاولون قتل الوقت.. وكأنهم يستوقفون طاحونة الحياة للحظات، يلتقطون
فيها الأنفاس، ويتناسون ملوحة عرق النهار.



في اليوم
التالى تشرقُ الشمسُ، كعادتها، لتلهبَ أجسادَهم الهزيلة بحرارة أشعتها.



يخرج"صابر"
تاركاً همومه وراءَ ظهره الذي يزداد انحناءً كل يوم، ينظر إلى السماء محاولا رسم ابتسامة
تليق بجلال صباح جديد.



- افرجها
يا رب.



يراود مسامعه
صدى صوت خطيبِ الجمعة، الذي لم يقتنع يوماً بكلامه، مع أنه لم يشك فيه لحظة.



- يسقط الرزق
على عباد الله من السماء كما المطر.



هكذا قال
شيخ الجامع الورع صاحب اللحية البيضاء الكثيفة، نعم، الرزق في السماء وسوف ينزل مع
المطر، ولأننا لا نعلمُ الموعدَ لابد أن ننتظر!



هاهي سحب
السماء تتعانق حاملة القلق.. هل هو الرزق، أم هي السيول تستعد لهدم جحور الزقاق، الطينية،
لتنهي هذا الفصل من حياتهم البائسة...



مازال يجلس
على رصيف الذلّ  والانتظار، كرجل مقهور، مجبر
على العمل، يريد العودةَ كل يومٍ لبيته محملاً بأكياس الخُضر والفاكهة.



- قف يا حمار،
تعال هنا.



لم يتبين
مصدرَ الصوتِ جيداً، لكنه جاءه هذه المرة حاداً كصريرِ بابٍ صدئ. رجلٌ يرتدي جلباباً
أسود، ينتعل حذاءً ثقيلا قاتمًا، يحمل في يده عصا غليظة نبت أمامه فجأة، وراح يردد
في وجهه بلا توقف:



- تعال يا
حمار أنت وهو، الشغل أتاخر معي.. اركب أنت وهو.



سار خلفه
منكساً رأسه دون أن يمنح نفسه فرصة للرد" الرزق على الله يا باشا"، لكن الباشا
يملك أقوى الأسلحة.. المال.. قوت العيال.



مضى اليوم
ثقيلاً جداً وهو مازال ينظر إلى السماء، ويفكر في الأرض، نقَّده المقاول مبلغاً زهيداً
لا يكفي لتجفيف عرقه عن ذلك اليوم، أنفق جميعه لشراء الخبز والفول والعدس،" لا
بأس به من طعام نحمد الله عليه طالما لا يوجد في الجيب ما يشترى أفضل منه".



على شجرة
قريبة عصفورة تحاول أن تعلّم  صغيرها التّحليق  في الفضاء، يفشل مرة وينجح مرة، تنظر إليه وكأنها
تحدثه:



- لا بد أن
تتعلم.



يسقط على
الأرض، يحاول الأطفال أخذه ولكنه كان يقاوم بشدّة، وهى تنظر إليه محاولة مساعدته بعيون
خائفة.. مذعورة.. مما قد يحدث له.



تطلق زقزقتها
بقوة، ينظر نحوها، ثم يحلّق مجدّدًا في الفضاء،



يقف معها
على البناية  العالية، وما إن تمضى لحظات حتى
تسقط بطلقة من بندقية.



تتهاوى على
الأرض، ينظر إليها وليدها الصغير متأملًا، ومتألمًا



تركها الصّيّاد
وراح يصوّب ببندقيته نحو صيد آخر، فكانت الحمامة البيضاء.



في اليوم
التالي سقط "صابر" من على السقالة الخشبية كما  سقطت العصفورة والحمامة البيضاء وقع على الأرض مضرجا
بدمائه وأوهامه.

----------------------

جمال بربرى

أسوان 


















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق