كلنا بنحب الكتابة
#اربح_من_الكتابة_بحرية_تامة
سجل حسابك بالموقع الان

أشباح الأمومة التي تطارنا

2019-03-10 15:42:42 اقلام و اراء ...






بقلم نفيسة الصباغ:

حين اتخذت قراري بالإنجاب كنت سعيدة وحين حدث الحمل بدأ التأرجح بين السعادة بمنح حياة لكائن جديد والخوف من المجهول على نفس هذا الكائن. آلاف التساؤلات تدور برأسي دون إجابات: كيف ستكون حياته؟ هل سيمكنني العودة إلى العمل بعد الولادة؟ هل سأتمكن من استكمال مهنتي من نفس نقطة الانتهاء أو التوقف لإنجاب كائن بشري جديد للحياة؟ لماذا أصلا اتخذت هذا القرار؟ ماذا سيضير هذا الطفل لو لم أقرر "منحه" حياته بإنجابه؟ وما الذي يؤكد أن "الحياة" منحة وليست نقمة او لعنة أو اختبار مستمر مليء بالتعب والتحديات؟

كانت التساؤلات تهاجمني مرات وتختفتي مرات..

"اكتئاب الحمل" كان الشبح الذي زارني ولم أستوعبه حينها كانت كل التساؤلات بالنسبة لي منطقية فأنا شخص لا يحب الحياة ويعتبرها رحلة إجبارية سخيفة لم أخترها أصلا ولو كان لي أن أتخذ قرار وجودي أو بقائي في دائرة العدم لكنت حتما اخترت العدم تلك الحالة اللطيفة الأزلية من اللاشيء. عرفنا أنه اكتئاب حين بدأت أفكر كثيرا في الانتحار واختيار الموت قبل الحكم على كائن جديد بالحياة.

كنت أرغب في إنجاب طفلة وأموت خوفا من أن يحدث ما أرغب به فتعاني معاناة مزدوجة في عالم يتعامل مع النساء باعتبارهن أقل شأنا ومقدرة من الرجال..  

كنت أشعر بذلك الجنين يواسيني في أصعب اللحظات حين أرغب في طمأنه أشعر بيده الصغيرة تربت على جدار الرحم من الداخل.. أحيانا أشعر بسعادة فأقف مبتسمة ويبدأ هو في التحرك على أنغام أية موسيقى أتخيلها أو أسمعها.. كنت أنا وجنين شخص واحد له شطرين يدعم كل منهما الآخر.. أنا بالغذاء عبر الحبل السري وهو بالمشاركة في الحالات المزاجية المتقلبة المختلفة وكأنه يقول لي :"أنا هنا من أجلك"..

حينها أدركت كم أن قرار الإنجاب قرار أناني نبحث عن ذواتنا ومحاولة لتحقيق إنجاز ما فنجلب أطفالا للحياة دونما رغبة أو قرار منهم.. كان يخيفني جدا أن أقف أمام ابني او ابنتي- لم أكن أعرف وقتها- لأواجه نفس السؤال الذي طرحته على أبي سابقا: لماذا أنجبتنا بالأساس وحكمت علينا بالتواجد في الحياة؟

اكتئاب ما بعد الولادة كان مرحلة أخرى من الانقسام هل سأحب هذا الكائن أم أكرهه؟ وكنت أتأرجح دوما بين الشعورين أحيانا أحبه بقوة تكاد تفجر قلبي من شدتها. وأحيانا أكرهه لدرجة الرغبة في قتله.. وكان الشعور بالذنب يقتلني في الحالتين.. يقتلني حين أشعر بحبه لأنه يتزامن دوما مع الإحساس بأن نهايتي ستكون على يد ذلك الكائن الصغير الذي قررت بمحض إرادتي الإتيان به إلى الحياة وبالتالي لن يمكنني الانتباه لنفسي ولا لعملي ولا لوجودي ككائن حي مستقل يعتمد على نفسه ولا يتطفل على كائن آخر ليعتاش. وكان الشعور بالذنب يقتلني حين أشعر بكراهية الطفل الذي أنجبته لأنه باختصار ليس ذنبه هو قراري وحدي كاملا فكيف أجرؤ على التنصل من تحمل مسؤولة ذلك القرار ثم أزعم أنني موجودة أو مستقلة أو أي شيء؟

الاكتئاب خلال الحمل وبعد الولادة كثف كثيرا المشاعر والتأرجح والتساؤلات التي كان كثير منها غير منطقي أصلا, لكن الحقيقة أن التساؤلات لم تنتهي والغضب والندم والإحساس بالذنب هي مشاعر تلازم كل الأمهات تقريبا.. لدرجة قد تدفع يعضهن بهجر الأبناء والهرب وبعضهن يندفعن للقتل وأخريات يستسلمن للتماهي مع حالة الأمومة وينسين كل شيء عن ذواتهن السابقة وشخصياتهن وحياتهن العملية والمهنية.

حين قرأت كتاب إيمان مرسال "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" أدركت أنني بالفعل لست وحدي فأمهات من كل أنحاء العالم يشعرن بنفس التناقض والاضطرابات وتتلبسهن نفس الهواجس تقريبا.. ولمست بالفعل أصل المشكلة الحقيقي الأسطورة السائدة عن الأمومة والعطاء باعتبارهما صنوان ينتج أحدهما عن الآخر آليا دون أي تدخل.

في كتابها تقول إيمان مرسال: ""الأم التى لا تشعر بالذنب اتجاه أطفالها، هى تلك التى أتاها ملاك فى لحظة الولادة وشق صدرها، استأصل النقطة السوداء التى هى منبع الشر، حررها من هويتها السابقة وشفاها من العدمية أو الطموح، تماما كما يحدث مع الأنبياء فى عملية تجهيزهم للنبوة"

وفي مقطع آخر تقول: "يبدو الشعور بالذنب وكأنه الشعور الذي يوحد الأمهات على اختلافهن, إنه يكمن في المسافة التي تقع بين الحلم والواقع مثلما في البنوة والحب والعمل والصداقة , هو أيضا نتاج المسافة بين مثالية الأمومة في المتن العام وبين إخفاقاتها في الخبرة الشخصية"

بالفعل الأمومة التي يتصورها الجميع مختلفة تماما عن الخبرات الشخصية بإخفاقاتها الكثيرة والمتعددة.. فمن من الأمهات لم تشعر بأنها أخطأت أو كان ينبغي عليها أن تتصرف بشكل أفضل في موقف ما بينما لم يسعفها عقلها أو وقتها أو حالتها النفسية أو أدركت الخطأ بعد وقوعه فندمت عليه؟

السؤال هو من قال أصلا أن الأمهات يجب أن يكُنَّ مثاليات؟ من قال بالأساس أن الأمهات يجب أن يفنين من أجل الأبناء؟ الأصح والأقرب للمنطق والواقع هو أن الأمهات يجب أن يسعدن ويتحققن ويعشن بصحة جيدة ويحرصن على توازن نفسي جيد لأن ذلك في النهاية سينعكس فعليا على الأبناء وعلى كل المحيطين بالأم. الفناء أو الموت يعني انقطاع القدرة على العطاء بينما التواجد والتحقق والقوة هي سمات تعني مزيد من القدرة على العطاء والدعم.. علينا فقط أن ننفض أسطورة الأمهات الخارقات ونعترف بأننا بشر نخطئ ونصيب ونتعب ونصاب بالألم واليأس أحيانا ونتفاءل أحيانا أخرى.. لسنا خارقات وليس مطلوب منا أن نكون خارقات.


















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق