يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

الناهبون الجدد

2019-02-07 08:35:13 منوعات ...






       بقلم: عبد الرحيم عنبي


       عرف المجتمع المغربي نهاية التسعينيات
وبداية الألفية، تحولات على مستوى التعاطي مع العمل الجمعوي، فبعدما كانت الحمعية
تنخرط في العمل التطوعي وتأطير الشباب والأطفال بدور الشباب، في ظل الانغلاق



السياسي الذي عاشه المغرب منذ السبعينيات، حيث عملت النخبة السياسية، التي سيرت
البلاد خلال فترات السبعينيات والثمانينيات، حتى نهاية التسعينيات من القرن
الماضي، على تقوية مواقعها في دواليب الدولة مع الحرص على استمرار نفس أساليب
التدبير، بل التحكم  والإشراف على معظم


مشاريع التنمية.



في سياق هذا الانغلاق السياسي، والذي جعل
النخبة السياسية في ذات الوقت تحتكر المصالح والامتيازات. مثلما ساهمت في تحويل
مؤسسات الدولة إلى سلطة ومجالات لتوزيع الخدمات، على شبكة الأقارب أو مقابل الرشوة



علاقات الولاء، الشيء الذي ساهم في توسع سوق علاقات الزبونية والمحسوبية، التي زادت
من أهمية دور الوسطاء والوجهاء، في وقت كانت الجمعية تشكل مصدر إزعاج في كثير من
الأحيان، لذا تم حصرها في العمل الثقافي بدور الشباب.



كل هذه الأحداث السياسية تضافرت في ما بينها



لتشكل مسارات همامة لصناعة الهوامش بالمغرب، حيث تراجعت الدولة في ذات التاريخ عن
التعاطي مع المسألة الاجتماعية وتراجعت الخدمات الاجتماعية والمشاريع الموجهة
للصحة والتعليم والشغل.



زادت التأثيرات السلبية لسياسة التقويم
الهيكلي والتي عملت على زرع بوادر النمو الاقتصادي دون أي اعتبار للنمو الاجتماعي،
مما أدى إلى توسع الهوامش والأطراف وتعميق هوة الفوارق الاجتماعية وتوسيع دائرة
الفقر والهشاشة ودور الصفيح، التي جسدت بامتياز أحزمة الفقر والهامش.



أدت هذه الأزمة الاجتماعية والسياسية، والتي
لخصها الراحل الحسن الثاني حينها، في إحدى أشهر خطبه التاريخية سنة 1995 من داخل
البرلمان، بكون المغرب مقبل على الإصابة بالسكتة القلبية. تعبيرا منه عن الأوضاع
السياسية والاجتماعية، وتوسع الهوامش بالمغرب.



أمام توسع الأزمة، ستجد الدولة نفسها مرغمة
على مد اليد للجمعيات، لكي تكون شريكا في بلورة العديد من المشاريع التنموية، والتي
تستهدف في الغالب الفئات الهشة، الشيء الذي ساهم في تفريخ العديد منها، بحيث وصل
عدد الجمعيات اليوم بالمغرب 130 ألف جمعية سنة 2016، وقد ارتفعت وتيرة تأسيس
الجمعيات، خاصة أمام تفويت الدولة للمسألة الاجتماعية لهذه التنظيمات، ومن أهم
البرامج والمشاريع، التي تم تفويتها نجد على سبيل المثال، محاربة الأمية والتربية
غير النظامية وكذا الأطفال في وضعية الشارع وإنشاء مراكز للإنصات للنساء المعنفات،
أضحت كلها قضايا تثير  اهتمام الجمعيات.



جاءت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، سنة
2005  والتي تعتبر ترجمة لرؤية للسلطات
العليا بالبلاد للنهوض بالأوضاع الاجتماعية والسياسية وتسعى من خلالها إلى هدم
الهوة الفاصلة بين مختلف الفئات الاجتماعية بالمغرب والحد على الأقل ظاهريا من
مظاهر الفقر  والهشاشة.



غير أن الأموال، التي رصدت لهذه المبادرة،
أسالت
لُعَابَ ناهبي
المال العام، فسارعوا إلى إنشاء الجمعيات والتعاونيات، وخاصة بالأوساط الريفية،
مستغلين أمية النساء، في استغلال سافر لقدراتهن على العمل اليومي وانخراطهن الجدي
في العمل، وعوض توزيع عائدات الجمعية والتعاونية، بشكل متساوي بينهن، كأعضاء في
الجمعية أو التعاونية، فإنه يتم تعويضهن بأجرة هزيلة كعاملات مُيَاوِمَاتٍ، في ما
تستحوذ الرئيسة أو الرئيس وباقي أعضاء المكتب على حصة الأسد.



هؤلاء الذين ينهبون المال العام ويستغلون
الموارد الطبيعية، دون حسيب أو رقيب، بحيث صاروا يقدمون أنفسهم، كخبراء وكبديل عن
المثقفة والمثقف، بل صاروا يحضرون الورشات الحكومية بهدف بلورة المشاريع التنموية
والقوانين في ضرب تام لمبدأ التغيير السياسي والاجتماعي، حيث يساهمون في تكريس اقتصاد
الريع والهشاشة وتمويه حقيقة الوضع الاجتماعي والسياسي، ذلك أن التغيير الحقيقي في
تقديرنا هو قرار سياسي، يقوم على الحد من التفاوتات الاجتماعية، عن طريق تحريك
الأجور ومراجعة النظام الضرائبي، وفرض الضريبة على الأثرياء ثم نهج سياسة قوية
تسعى إلى إعادة توزيع الثروة، والذي لن يتحقق إلا من خلال خلق فرص الشغل القار
للشباب وتحفيزهم عن الانخراط في العمل.



لقد بات هؤلاء ينثرون في كل زاوية من زوايا المقاهي،
التي يملئونها بشتى المدن ومقرات الجمعيات أو بمقرات مؤسسات الدولة أثناء لقاءاتهم
برجال ونساء السلطات المحلية، ينثرون مفهوم المجتمع المدني بكل عشوائية، وفي
سياقات أيديولوجية ترمي إلى تكريس التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية بين السكان،
متخذين من الانتماءات الاثنية والهويات المحلية قاعدة لبناء المشاريع التنموية وهو
ما يعمق من جهة، الجراح الاجتماعية بالمجتمع المغربي، ويتعارض وفلسفة المجتمع
المدني من جهة ثانية.



إنهم يطلقون مفهوم المجتمع المدني اليوم، في
غياب أي ضبط نظري، قد يساهم في إحداث خلخلة فكرية وسياسية، قياسا على كون مفهوم
المجتمع المدني، تبلور في سياق نظرية التعاقد الاجتماعي، باعتبارها نظرية معادية
للحق الإلهي للملوك في مجال الحكم، وعليه، فمفهوم المتجمع المدني، اقترن بالمجال
الدنيوي، بهدف التخلص من إرث العصور الوسطى، بمعنى التخلص من الإرث المسيحي، ومن
هيمنة المقدس، وهي نظرية تؤسس للدولة ولمؤسساتها وللقانون، كنتيجة لتجارب سياسية
مستقلة عن الديني.



إن مفهوم المدني والذي ظهر خلال القرن السابع
عشر، في إطار نظام فكري وسياسي، كمرادف لمفهوم الدولة، باعتبارها آلة اصطناعية
تساهم في ضبط سلوك الأفراد، بعيد كل البعد عن ممارسات الظاهرة الجمعوية، والتي
باتت تنتج الفقر وتعمل على توسيع الهوامش والأطراف، وعليه، فممارساتها تتعارض
فلسفة المجتمع المدني، والذي جاء؛ كنتيجة للتعاقد في تنظيم المجتمع، انطلاقا من
شرعية المصلحة وضد كل وصاية دينية.



وبالعودة إلى مؤسسي الفلسفة السياسية، نجد طوماس
هوبز، أكد على أن الغاية من المجتمع المدني، تتمثل في تحقيق الأمن والسلام وتجاوز
حالة الارتباك، التي قد تنشأ في حالة الطبيعة. أما جون لوك، فإنه يقعد لهذا المفهوم،
كونه يؤلف بين عدد من أعضاء جماعة واحدة، بحيث يتخلى كل منهم عن سلطة تنفيذ السنة
الطبيعية التي تخصه، متنازلا عنها للمجتمع الذي ينشأ حينذاك فقط، كمجتمع سياسي أو
مدني، فالغاية من اتحاد الناس في مجتمع مدني، هي المحافظة على أملاك الأفراد.



إن المجتمع المدني مجال تنافس المصالح الخاصة
والمتعارضة، يتجسد في الصراع القائم بين الدولة والمجتمع المدني، فالدولة تهيمن
بالإكراه والتسلط في ما المجتمع وظيفته التأطير الثقافي والحقوقي، فهو يقع بين
الأسرة الأبوية والدولة المتحكمة، بهدف حماية الحق المطلق للفرد وبهدف زيادة
حاجيات الناس وإشباعها.



لقد رجعنا إلى مفهوم المجتمع المدني، بهد فحص؛
مدى تطابق هذا المفهوم على قطاع الجمعيات بالمجتمع المغربي، مقدمة نفسها كفاعل في
مجال التنمية، منخرطة في العديد من المشاريع التنموية، وفي هذا الإطار، يمكن أن
نصنف الجمعيات بالمغرب، إلى ثلاثة أصناف، صنف وهو الأكثر  والمهيمن، حيث أنتج الأعيان الجدد، الذين باتوا
يقدمون أنفسهم؛ كبديل للمثقف والمثقفة، كبديل للخبيرة والخبير، باتوا يربطون
علاقات الزبونية مع مؤسسات الدولة، بهدف الاستفادة من المشاريع، ساهموا في تسطيح
مفاهيم التنمية، وفي ترقيع الأوضاع عوض تغييرها، هذا الصنف نسميه، بالجمعيات
المرقية



أما الصنف الثاني، فيضم جمعيات، تأسست ووقفت
عند التأسيس، دون أن تمارس أي نشاط، وهو ما نصطلح عليه، بالجمعيات الورقية، وتبقى
النسبة القليلة من هذه الجمعيات، هي التي تمارس مضمون المجتمع المدني، بحيث تساهم
في تأطير الشباب وفي التثقيف وهذا الصنف نصطلح عليه بالجمعيات الأرقية، ونشير إلا
أن هذه الجمعيات غالبا ما يتم إقصاؤها من المنح والتمويلات المقدمة للنسيج
الجمعوي.



إن الظاهرة الجمعوية،التي تسمى نفسها مجتمعا
مدنيا، ساهمت بشكل كبير في تأخير مسلسل التنمية وملء فراغات كان على الدولة أن
تهتم بها. إضافة إلى ذلك، تتحمل الظاهرة الجمعوية مسؤولية كبيرة في تعطيل بلورة
سياسات اجتماعية وأسرية قوية، تجيب من خلالها الدولة على المشاكل الاجتماعية، التي
يعشها المجتمع. الظاهرة الجمعوية ما هي إلا شكل جديد من أشكال نهب المال العام
وتجديد نخب الأعيان بشكل أسوأ
. حيث أنتجت ناهبين جدد للمال العام، إلى جانب الأحزاب السياسية ونخب
الأعيان القدامى.



 


















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق