يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

عفوا السيد الوزير .... الإجرام منتوج سياسي !

2019-02-11 15:53:10 منوعات ...






 بقلم: د عبد الرحيم عنبي



تحدث السيد وزير العدل عن الجريمة بالمغرب، في لقاء
نظمته، الشبكة المغربية للتحالف المدني لشباب، وبشراكة مع وزارة العدل، تحت شعار
"لنتحد جميعا لحماية الشباب من الجريمة، وقد كان هذا اللقاء يوم السبت 9
فبراير 2019، بالمعهد العالي للقضاء، بمدينة الرباط عاصمة المملكة المغربية، (عن
موقع العمق المغربي).



وفي معرض حديثه، أشار السيد الوزير، إلى كون المعطيات
المتوفرة لوزارة العدل، والتي تخص سنة 2016، تبين أن 63 بالمائة من الشباب
المتابعين قضائيا تهمتهم المخدرات،(المصدر: موقع العمق المغربي). كما أشار، إلى
كون الشباب المتابعين في قضايا الإرهاب تشكل نسبة مهمة، بالمقارنة مع باقي الفئات
العمرية.



ما آثرني في كلام السيد الوزير (المصدر: موقع العمق
المغربي) كونه أرجع استفحال الإجرام عند الشباب، إلى "انعدام أو ضعف الوازع
الديني والأخلاقي"، فضلا عن ما سماه ب "الدور السلبي الذي تلعبه بعض
مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها وطنيا ودوليا في نشر ثقافة الإجرام والتطبيع
معها"، وهذا استفز قريحتي العلمية لأخوض في هذا الموضوع، نظرا لكون السيد
الوزير قام بِتَسْطِيحِ فهم وتحليل السلوك الانحرافي والإجرامي لدى الشباب
المغربي.



فالجزم بكون "غياب الوازع الديني لدى الشباب"
أساس الانحراف والتعاطي للمخدرات وارتكاب الأفعال الخارجة عن القانون، يعد ضربا من
ضروب التضليل للحقيقة والتهرب من تحمل الدولة لمسؤوليتها أمام ما يقع بشوارع المدن
المغربية من سلوك انحرافي وإجرامي بات يهدد حياة المواطنين.



لقد غاب عن السيد الوزير أن الجريمة هي منتوج سياسي،
فإهمال الوسط القروي/ الريف لسنوات السبعينيات والثمانينيات وتركيز التنمية بالمدن
الكبرى والانغلاق السياسي، الذي عرفته البلاد وكذالك تحول الأحزاب السياسية إلى
واجهات لخدمة الأعيان وشبكات القرابة، أضف إلى ذلك سياسة التقويم الهيكلي، التي
فرضها صندوق النقد الدولي، جعلت الدولة تتراجع عن المسألة الاجتماعية،حتمت على
سكان القرى الهروب من جحيم الجفاف وضعف أجور العمل الفلاحي وصعوبة العيش في أوساط
قروية/ ريفية، لم تعد قادرة على توفير الموارد الضرورية للعيش.



كان هذا النزوح في تجاه المدن الكبرى والمتوسطة، ولأن
المدن تفرض نوعا من التكوين ودبلومات معينة، لينخرط الفرد القادم إليها في النسيج
الاجتماعي والاقتصادي، وحيث أن معظم الوافدين عليها هم شباب لا يتقنون إلا أعمال
الرعي والزراعة وبعض الحرف اليدوية. مما جعلهم يشكلون أحزمة الفقر والهشاشة بمحيط
المدن الكبرى.



لقد صار عيشهم يعتمد على مزاولة بعض المهن الهامشية،
منهم من احترف التجارة كباعة متجولين، وماسحو الأحذية وغيرها من الأنشطة غير المهيكلة،
فبات الوضع يشكل ضغطا قويا على المدن وعلى الموارد، حيث صار هذا التدفق البشري،
يشكل اكتظاظا  على المدارس والمتشفيات، حتى
باتت خاصية الاكتظاظ / الزّْحَامْ، خاصية أساسية للمدن المغربية، وخاصة بالأحياء
الشعبية والهامش والبناء العشوائي.



شكلت أحزمة الفقر هذه مختبرات لصناعة الجريمة، بكل
أشكالها من تعاطي المخدرات وبيعها والدعارة والسرقة مرورا بجنوح الأحداث للوصول
إلى جريمة الإرهاب ولعل حي سيدي مُومَنْ بالدار البيضاء خير دليل على ذلك.



لم يستحضر السيد الوزير كيف أن العديد من المنتخبين
ساهموا في تشجيع "الكَارْيَانَاتْ" أي أحياء الصفيح والبناء العشوائي
لأنها كانت تشكل لهم خزانا بشريا  يوظفونه
في الانتخابات، بحيث هؤلاء هم من يصوت مقابل السماح لهم بممارسة بعض المهن
العشوائية أو بناء عشوائي وما إلى ذلك.



أمام تلكؤ الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن بالبلاد،
في بلورة سياسات اجتماعية وأسرية، تعطي للسكان الحق في الاستفادة من الصحة والسكن
والتعليم والحق في العمل، سنجد أنفسنا أمام شباب مفتول العضلات مليء بالطاقات، لكن
في غياب أي تأطير، مما جعله يبحث عن مواقع له في هذا المجتمع ولأنه لا يتوفر على
أي مقومات تؤهله لذلك، سينخرط في الجريمة، لاعتبارين: أولهما، ليثبت ذاته، كبطل
قوي يرهب السلطات والسكان وليتلذذ بالانتقام من المجتمع، أما الاعتبار الثاني،
فإنه يصرف قوته وطاقته، التي لم تعمل الدولة على صقلها وتأطيرها للاستفادة منها
بشكل إيجابي، ليصرفها هو بشكل سلبي.



في سياق هذا الاكتظاظ واختلال المعايير بأحزمة الفقر
والهشاشة، سيتوسع الهامش وسينتج أسرة غير قادرة على ممارسة الضبط الاجتماعي
والمراقبة الاجتماعية والتوجيه والتنشئة الاجتماعيين، مما يجعل الأطفال عرضة لكل
أنواع الممارسات السلبية، بحيث يجدون أنفسهم في بيئة مليئة بالأمراض الاجتماعية،
وبمعظم أشكال الجرائم، مما يجعل الناشئة تأخذ العدوى من هذه الأمراض (نتبنى هنا
موقف المدرسة البيئية في تحليل الجريمة).



لم يتحدث السيد الوزير عن انهيار النظام التعليمي، الذي
لم يعد قادرا على ممارسة أدواره، حيث الاكتظاظ وبرامج تعليمية عقيمة، تساهم في
غالب الأحيان في زرع البلادة عوض النباهة، وعلى حد قول المفكر حسن حنفي، فانهيار
المنظومة التعليمية يساهم، إما في تشكل تيارات التطرف الديني أو الانغماس في
المخدرات أو الانغماس في صناعة الجنس.



إن هروب السيد الوزير إلى "ضعف الوازع الديني كمحدد
في الميل إلى الانحراف لدى الشباب" فيه من جهة؛ الاستخفاف بواقع الجريمة
بالمغرب، ومن جهة ثانية، ينم عن غياب دراسات علمية دقيقة للتتبع الجريمة والسلوك الإجرامي
بمجتمعنا. أما من جهة ثالثة، فإن هذا الهروب يعكس، غياب إرادة سياسية للحكومة، في
التعامل مع واقع الشباب المغربي، وغياب سياسات اجتماعية من شأنها أن تجيب على
طموحات الشباب.



ولتحليل الشق الثاني من كلام السيد الوزير المحترم، والمرتبط
بالدور السلبي الذي تلعبه بعض مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها وطنيا ودوليا في نشر
ثقافة الإجرام والتطبيع معها"، يجدر بنا، أن نذكر السيد الوزير أن سلوك
الجريمة، هو سلوك قديم، فالإرهاب والمخدرات والدعارة والسرقة وغير ها من أنواع السلوك
الإجرامي، كلها ممارسات تواجدت قبل الثورة الرقمية، وقد حظي موضوع الجريمة باهتمام
كبير من قبل « تالكوت بارسنز وروبرت ميرتون وروبرتي دبن »  مما ساهم في ربط التفسير السوسيولوجي للظاهرة
للظاهرة الانحرافية عامة والجريمة والجنوح بشكل خاص بالعديد من المتغيرات، منها ما
هو اجتماعي ومنها ما هو نفسي أو خلقي أو جسدي وغيرها من المتغيرات الأساسية في
تحليل هذا السلوك، الأمر الذي ساهم في بروز اهتمام كبير لدى الباحثين في السوسيولوجيا
بالأسس النظرية والمنهجية لدراسة وتفسير وتحليل الظاهرة الانحرافة .



كما أن قدم هذا السلوك، دفع بالكثير من علماء
السوسيولوجيا، إلى تحديد مفهوم الجريمة، والذي يشير إلى فعل يلحق الضرر بالمجتمع
ويعاقب عليه القانون، والجريمة هي ظاهرة اجتماعية تنشأ عن اتجاهات وميولات وتركيبة
نفسية وعن التأثر بالبيئة
. كما تنشأ عن نقص جسمي أو ضعف عقلي أو
اضطراب انفعالي، وتختلف الأفعال التي تجرم من مجتمع إلى آخ
ر.



وبهذا المعنى تكون بعض مواقع التواصل الاجتماعي والتي
أشار إليها السيد الوزير ما هي إلا  فضاءات
توفر "فرصا" لهؤلاء، لكي يمارسوا سلوكاتهم الانحرافة، فالشخص الذي يمارس
سلوكا إجراميا، تكون لديه استعدادات لهذه الممارسات، هذه الاستعدادات، ناتجة إما
عن ظروف نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية وسياسية؛ وحيث أن الدولة لم تبلور سياسات
اجتماعية قادرة على إتاحة الفرص للشباب بشكل متساوي
، لكي يستفيد من خيرات
وثروات البلاد، فإنه يهرب إما للبحث عن "البَزْنَاسْ" الذي يبيع
المخدرات أو عن "الكَرَابْ" لشراء الخمور أو يبحث عن موقع إجتماعي ليغذي
منه فكره المتطرف، لكي ينتقم لنفسه من غياب العدالة الاجتماعية.


















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق