اكتب معنا لو بتحب التدوين
#اربح_من_الكتابة
سجل حسابك بالموقع الان

بين عالمين : معركة امبابة و بداية الاحتلال الفرنسى لمصر

2019-02-01 19:35:53 سياسة ...






ربما لم تعبر مرحلة فى تاريخ مصر عن الفجوة الزمنية بينها و بين اوروبا ما بعد عصر التنوير اكثر من الحملة الفرنسية فقد كان لصدمة تقابل هذين العالمين المختلفين المجهولين كليا لبعضهما اكبر الاثر فى تاريخ مصر و المنطقة العربية الحديث و ربما لا نجد مثالا لتلك الصدمة فى التاريخ العسكرى افضل من معركة امبابة 
فى العالم 1798 قررت حكومة الادارة الفرنسية ارسال حملة بقيادة نابليون بونابرت بهدف احتلال مصر لقطع طرق مواصلات انجلترا مع درة تاجها و اهم مستعمراتها , الهند , و زرع موطئ قدم لفرنسا فى الشرق الاوسط كبداية لحركة استعمارية و ( فرنسة ) واسعة النطاق للمنطقة كبديل للنفوذ البريطانى 
و ايا كان موضوعية او شرعية تلك الاحلام فلم تواجه الحملة عند وصولها سواحل الاسكندرية مقاومة تذكر من حكام مصر انذاك , المماليك , اذ اهمل الدفاع عن تلك المدينة الهامة الا من مجهودات فردية من حاكم المدينة السيد محمد كريم و رجال المقاومة الشعبية بما تيسير من بنادق عتيقة و اسلحة بيضاء لم تصمد امام عدة و عتاد الفرنسيين الذين اجتاحوا المدينة فى ساعات معدودة من يوم الثانى من يوليو عام 1798 ليتجهزوا فورا للزحف على القاهرة متبعين فرع النيل الغربى ( رشيد )  
و قد كان القرار صائبا فبالرغم من انهاك القوات الفرنسية فى السير الحثيث فى صحراء محافظة البحيرة اذ كانت القوة الوحيدة القادرة على منازلة الفرنسيين مركزة فى العاصمة حول رجلين بينهما ما صنع الحداد هما مراد و ابراهيم باشا الذين اتفقا على توحيد جهودهما و نبذ الخلافات حتى دحر الفرنسيين 
لم يقف المماليك ساكنين امام تحركات الفرنسيين بل حاولوا جس نبض ذلك العدو المجهول بما لهم من فرسان عالى التدريب ليواجهوا مرة تلو الاخرى ببنادق الفرنسيين و مدفعيتهم و تكتيكاتهم الحديثة و تتحول مناوشتين فى الرحمانية و شبراخيت لهزائم مملوكية منكرة قرر بعدها مراد و ابراهيم ان تكون المواجهة الفاصلة قرب القاهرة فى الصحراء المفتوحة بدلا من استنزاف قواهم فى مناوشات محتومة الفشل 


و هنا يجب ان يكون لنا وقفة لنتامل تكوين جيوش كلا الغريمين , الفرنسيين المماليك
فقد امتلك الفرنسيين ما يقارب 40 الف جندى خبير و جميعهم مدربين على النمط الاوروبى و مدعومين بسلاح مدفعية عال الكفاءة – نابليون شخصيا بدا حياته كضابط مدفعية و اولاها عظيم اهتمامه– مع وحدات فرسان و هيئة اركان و قيادة و استطلاع مجربة فى حملات نابليون السابقة فى ايطاليا 
اما المماليك فامتلكوا ما لا يزيد عن 10 الاف فارس مملوكى و ان كانوا من الافضل فى التاريخ فى فنون الفروسية و النزال بالسيوف و الرماح الا انهم لم يمتلكوا الا عددا محدودا من الاسلحة النارية القديمة و القليلة الفاعلية و لم تتعدى تكتيكاتهم الكر و الفر و الاغارات السريعة و دعمت تلك القوة بقبائل البدو و جموع الشعب المصرى الغير مسلح الا بالعصى و المناجل و الرماح و مع ذلك استجابوا لدعوة المماليك للخروج للدفاع عن بلادهم ضد الفرنسيين باعداد تصل 20 الف مصرى 
و مازاد الطين بلة غياب الثقة بين ابراهيم و مراد حيث ان النزاعات و الخيانات المستمرة بين قادة المماليك جعلت الطرفين يشكان فى مكانية غدر احدهما بالاخر اثناء المعركة و على ذلك قرر مراد مواجهة الفرنسيين بقواته فى امبابة على ضفة النيل الغربية بينما ينتظر ابراهيم و الجزء الاكبر من قوات المماليك فى القاهرة على الضفة الاخرى و يتدخل فى حالة ان طلب مراد ذلك و كان ذلك اول اخطاء ذلك اليوم 
اما الخطأ الثانى فكان ان مراد بك قد نزع من السفن النهرية ما تحمله من مدافع عتيقة ليكون بها قوة مدفعية مملوكية كيفما اتفق و ترك الاهالى فى معسكره مع قطع المدفعية و الامدادات لينطلق منفردا بفرسانه لملاقاة الفرنسيين فى الصحراء 


و اذ علم نابليون بكل تلك الاخطاء قرر ان تكون خطته تكوين كل قوته فى مربعات من الجنود بعمق 6 صفوف و توضع الامدادات و الفرسان فى منتصف كل مربع لحمايتها و تقدم المدفعية الدعم للمربعات من مواقعها الامنة و بينما تنشغل قوة المماليك الرئيسية فى الهجوم على مربعات الفرنسيين الاشبه بنقنذ من حراب البنادق تتسلل قوة فرنسية من خلف معسكر المصريين لتهاجمه على حين غرة 
و عند صبيحة يوم 21 من يوليو عام 1789 تواجه الجمعان فى صحراء امبابة ليبدأ فرسان المماليك المعركة بهجوم عنيف على الجيش الفرنسى ليواجهوا بسيل من طلقات البنادق و دانات المدفعية المنطلقة من المربعات الفرنسية المحكمة و بينما دار الفرسان من مربع الى اخر باحثين عن نقطة ضعف لذلك التشكيل المهلك احكم الجنود الفرنسيون رمايتهم على الخيول و راكبيها حتى دمرت اغلب القوة المهاجمة و انطلق ما تبقى منها عائدا لمعسكره للاحتماء بالمدفعية و جموع المصريين 
و هنا كانت الخطأ القاتل اذ كانت مدفعية المماليك بلا عجلات و لم يمكن تحريكها لمواجهة الفرنسيين الذين اطبقوا على المعسكر من الشمال و الجنوب لتطلق دفعة واحدة من نيرانها ثم تصمت اذ وصل الفرنسيون اليها و قتلوا رجال المدفعية ليتحول المعسكر المصرى لمذبحة و اما من نجى من رصاص الفرنسيين لقى حتفه غرقا بينما كان يحاول عبور النيل سباحة 
و اذ رأى مراد بك هزيمة جنوده اقفل راجعا الى بيته ليجمع كنوزه و امواله و ينطلق بما تبقى من اعوانه للصعيد تاركا منزله و زوجته - السيدة نفسية البيضاء احد فضليات النساء فى تاريخ مصر - رهينة فى يد الفرنسيين اما ابراهيم بك و الجزء الاكبر من جيش المماليك فقد تخلى عن القتال و ابراهيم شخصيا هرب للشام برجاله و امواله ليدخل نابليون القاهرة منتصرا دون مقاومة بعد اتفاق مع المشايخ و الاعيان و يبدأ رسميا الاحتلال الفرنسى لمصر الذى دام لثلاثة اعوام لم يتوقف فيها كفاح شعب مصر من اجل حريته بالرغم من خيانة من ائتمنهم على حكمه 


كانت محصلة معركة امبابة - و التى تعرف فى المراجع الغربية بمعركة الاهرام بالرغم من ان تلك التسمية خاطئة بالكامل اذ لا ترى الاهرام من امبابة اطلاقا بل سميت كذلك لاضفاء طابع درامى على الحدث – مقتل من 3 ال 4 الاف فارس مملوكى امام خسارة 300 جندى فرنسى و هنا و سنترك الحديث للارقام دون تعليقات اضافية
و لكن ما يحزن هو اغفال المؤرخين لاعداد الضحايا من المصريين الذين فاق عددهم ال 20 الف مدنى فى ساحة المعركة دون سلاح او تدريب الا ايمانهم بحرمة اراضيهم 
لربما كانت معركة امبابة جرس انذار لخطورة الانفصال عن العالم و الاكتفاء بالتقوقع حول الماضى و امجاده و توقعنا ان يكون درسا يتعظ به كل من حكم منطقتنا العربية من القرن الثامن عشر حتى الحادى و العشرون و لكن كما مع مرور الزمن و تعاقب النوائب علينا ايقنا عبقرية قول الشاعر ( لقد اسمعت لو ناديت حيا...و لكن لا حياة لمن تنادى )  
و شكرا 

















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق