كلنا بنحب الكتابة
#اربح_من_الكتابة_بحرية_تامة
سجل حسابك بالموقع الان

إيليا

2019-12-08 17:09:55 منوعات ...







أعيدك إلى البيت عزيزي القارئ،

إلى بيتنا حيث كنت وأحمد نعيش في نفس الغرفة، حيث كنّا نقيم، حيث كنت له الوطن وكان لي روح الوطن، لم يقطع شريط حبّنا إلا هجر ولم يزل صوته يتكرّر، ولم تنفكّ نبراته المتقابلة المتعاقبة تجد المسلك معبدا إلى أعماق أذني، ولست أدري رغم أنه يبدو صادقا كيف لا تصل ما تجود به حباله الصّوتية ليكون لها بالقلب مستقر؟

زعم لسنين أنه سيعود، ولم تنمح السّين من فاء فعله، لازمته في الماضي، وتلازمه في الحاضر وأبدا تلازمه غدا، امتدّ أمد الوعد، ما زلت أبكيه كلّ ليل، ثم أكنس حائط المبكى كلّ صباح وأنا موقنة بغياب سرمدي، تطاول أجل الفراق و لم تزل لحيته البيضاء الممتدّة من المشرق إلى المغرب مبتلّة بقطرات وضوئه لصلاة الفجر ضحىً، ولم يزل  يدّعي الهوى في الشّتات. كان صادقا في كذبه... صورته وكأنّها الحين، ما تفارق الخيال، كان طيّبا، ما شكّ في ذلك، صاحب قضية، هذا أمر مسلّم به، عيبه الوحيد أنه كان...

قد تتساءل عن عيبه الوحيد عزيزي القارئ، ولك عليّ أن أروي عطش فضولك باستفاضة في التّفصيل. في جلّية الأمر، لم يكن به عيب قط... كان هو العيب ذاته.

أجل أعلم، لم يُحط هذا الجواب بسؤالك! فاسمع أشفيك...

كان يضع عمامة بيضاء تحيط بعامّة رأسه. تتلوّى الخرقة البالية فوق بعضها كثعبان ممتلئ لتحجب خيوط شمس آب عن هامته، يفيض نزر منها يسير على ناصيته « سأعلم لاحقا أنها كاذبة ولا محالة خاطئة » التي رسمت عليها أنامل الأزمن أخاديد خفيفة في الأعلى وغائرة في السّفح كجبال الجليل، كان يسبل فائضها حتى تخوم الحاجبين المبسوطين كذراعي كلب أصحاب الكهف، ويذوبان في بعضهما بالوسط عافيين عن عينين جاحظتين كورم، كانت التّجاعيد تبدو للبعيد كسهل مرج ابن عامر، أقنى الأنف قانيه، أسمر البشرة معفي الشّارب، ذا لحية كثيفة ناصعة فاقع لونها لا تسرُّني وإن سرّت النّاظرين.

قد يبدو لك أني أكرهه عزيزي القارئ، فأقول لك انك مخطئ رغم أنّك على صواب، لقد أحببته، أجل أحببته، وأصرّف هذا الفعل في الماضي لأنه بلا حاضر، ولا مستقبل له...

فوه الصّغير كعقله، يحجب ويبدي كلّما نبس أسنانا بيضاء فيها بأس شديد على القِرى ومحاصيل القُرى، عريض المنكبين، بعيد مهوى القرط، ذا بنية تخشاها السّباع، وكانت لجهلها بمعدن الرّجال تفعل، كان مهيبا، وكانت أحلامه... كانت أحلامه...كانت كلّ أحلامه...

للأسف...، كان بلا أحلام، لم تكن له إلا رغبات، كان يمّا من نزوات الجسد، وحاشا لله أن تكون له أحلام. كان يقيم حول البيت وفيه، يدخل من "باب الأسباط"، يتمشّى رويدا جاحظا حدقته في سقف البيت الأزرق المصنوع من كسف السّماء، تتسرّب الزّهرة  عبر الجسم الزّجاجي فتجاوزه، تستقرّ بالقرص ثم تشقّ السّبيل عبر العصب البصري، يطارد عطارد بعدها في سباق نحو الشّمس نهارا، وتتجلّى هالة زحل كعروس تفيض منها رائحة ماء ورد وقد لطخت رأسها بحناء أقبل بها تاجر حرير عبر طريق الحرير، كان بصره قرينا بالسّماء الدّنيا، وكانت خواطره تنجب بناتها في كلّ محطة من السّبع الطّباق، كان يحوم حول سدرة المنتهى، هناك لا يزال طريق البراق معبّدا للسّالكين، يحني رأسه ليبصر موضع قدمه فتقع عينه في طريقها إلى الأرض على "المئذنة"، يجاوزها في غير كبير اهتمام ليضع قدمه اليمنى بعدما استنشق ريح "قبّـة السّلسلة"، تسير قدماه محمولتان بأفكاره العلوية ليحاذي "منبر برهان الدّين"، ويسلك سبيله بسبيل "قايتباي" بباب المطهرة، على طرف بين الطّرف الغربي "لصحن الصّخرة" والباب حيث يرتوي في غير ظمأ. ينعطف يسارا ولا يلتفت حتى يقوم ساعة "بالمصلّى المرواني"، تقصد روحه في همهمات ودندنة معاد يقيمها زمنا الرّحمة، ويقصد بدنه في خطى سلحفاة "باب الرّحمة" ليجاوز الأسوار، تاركا "باب التّوبة" عن يمينه مفتوحا.

كان مفتونا بالمكان فانيا فيه، فيه حياته وحياته كلها فيه، ومن فيه وفي كلّ مكان تسيل الكلمات عن المكان، كان هذا بيتنا،  أما أمّي فأكبر منّي ولا يقاس هو بها، كان منزلها ممتدّا من المشرق إلى أقصى المغرب، دام دخول أحمد وتجواله عقودا، انتمى للجدران وذاب فيها، أمسى طوبُها لحمه، وباتت لبناتها عظامه، وأصبح مِلاطُها دمه، كنت عاشقة، أذوب في سماحة الخلق، وأرى ملامحه العربية على عكس ما وصفت، كانت قبل اليوم المشؤوم ملامح حسان، لم ينل منها إلا تاريخ نكبة.

قبل مواصلة الحديث أحب أن أعيدك عزيزي القارئ إلى صكّ الاتفاق قليلا، وما ذاك إلا لأجدّد مودّتي في أن تعتبرني أختك، فتسمع كلامي كما تفعل مع أمّـك  وتغار عليّ كزوجك وتحامي عنّي كابنتك القاصر.

كان أحمد في حجرتي واضعا رأسه على حجري، وكنت أطلب بأنامل عطف منتهى لحيته لأتعهّد ذقنه، أجول بين أمواج الشّعيرات البيضاء، وأغرف في غير قصد من زبد ماء الوضوء بين أظافري ما أُسيله على حاجبيه لأطلب ابتسامة متناعس في حضن المعشوق، يجود عليّ بها وأكثر وقتما هزم داعي الهوى فارس الكرى. أمّي تراقب المشهد في عينين حالمتين وفكر مطرق، تغدو وتروح بين الغرف، وتقف على الباب كخجول، تهمّ بالكلام وتقول كلّا، نام، ثمّ تبتلع الحديث وتمضي، تغيب سنين ثمّ تعود لتجد ما عهدت، يطغى على وادي جبينها هشيم الزّمن فتشيخ في كلّ قدمة، تُدير بمفتاح العزم قفل فيها فما فيها عضو يفضح سريرتها لتعود إلى سريرها، تضطجع سنوات دون أن تغفو، تجلس ثمّ تقوم. من الغرفة أرى تقلّبها و أجهل ما بقلبها، أما أحمد بحجري، فما يرى أبعد من حجرتي، لم يزل متناعسا منذ الفتح، ثم في غفلة من حرس الصّبر طرقت الباب لتقول أن طارقا بالباب.
















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده




افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق