كلنا بنحب الكتابة
#اربح_من_الكتابة_بحرية_تامة
سجل حسابك بالموقع الان

ما بين التنوير و المحو

2019-12-08 04:36:36 اقلام و اراء ...







          ما بين التنوير و المحو


انتشر استخدام مصطلح التنوير  انتشارا كبيرا في الآونة الأخيرة و ذلك تعبيرا عن اتجاهات فكرية و عقلية و سياسية متعددة ، و الكلمة في حد ذاتها تحمل معنى الإخراج من الظلام أو التشويش إلى النور الفكري و العقلي دون التقيد بميدان أو بمجال بعينه ، فقد يكون التنوير ثقافيا أو  دينيا أو علميا. 
و لا شك أن السعي الحثيث وراء تنقية العقل الإنساني من الجهل أو الخرافة أو الوهم هو أمر لا غنى عنه لأي مجتمع يسعى إلى النهوض و الرقي و التقدم و الحضارة ، فالجهل يعيق حركة المجتمع نحو التحضر و الخرافة تقيد المجتمع عن التقدم و العلم  و الوهم يضيع كما كبيرا من الجهد البشري في ما لا طائل منه و لا فائذة تحصل. 
و في وطننا العربي و محيطه الإسلامي ظهرت أفكار التنوير و الإصلاح من منتصف القرن التاسع عشر و حتى بدايات القرن العشرين على أيدي مصلحين دينيين مثل محمد عبده و جمال الدين الأفغاني و اجتماعيين مثل قاسم أمين و فكريين مثل رفاعة الطهطاوي و أحمد لطفي السيد و غيرهم و امتد هذا المبدأ و انتشر في أوساط المثقفين فأصبح له أنصار اصطلح على تسميتهم حينها بأنصار التجديد في مقابل المحافظين أو أنصار الفكر و المدرسة القديمة في الفكر و الثقافة و الأدب و الفنون باختلاف أنواعها. 
و كرد فعل بشري طبيعي ، كانت هذه التوجهات التجديدية تواجه في كثير من الأحيان بالتوجس و الريبة بل و الاتهام أيضا و الذي تعدى أروقة الجامعات و صالونات الثقافة و صفحات الكتب و الجرائد إلى ساحات القضاء ، على الرغم من أن تلك التوجهات التجديدية لم تمس ثوابت فكرية أو دينية في تلك المرحلة  ، بل إن أكثر من ثار حولهما الجدل في توجهاتهما و لقيا الهجوم الشديد و هما ( قاسم أمين)  في كتابيه ( تحرير المرأة)  و ( المرأة الجديدة)  و الدكتور ( طه حسين) في كتابه (في الأدب الجاهلي) فإنهما لم يمسا أصلا عقائديا راسخا متواترا لا جدال حوله ، فالأول نادى بمنح المرأة هامشا لحرية الحركة و التفكير التعبير و و لكن دون أن يتعدى ذلك حدود الدين و قواعده المتفق عليها شرعا لا عادة ، و الثاني تشكك في صحة الكثير من الشعر و الأدب الجاهليين و استشهد بالقرآن الكريم عليهما و لم يفعل العكس كما كان يفعل سابقوه و معاصروه معتبرا أن القرآن الكريم هو أرقى و أسمى نص لغوي عرفته العربية ، و لكنه لم يسلم من النقد العنيف و التشهير بل و الاتهام أمام القضاء  .
لكن التنوير و الإصلاح اتخذا في الفترة الأخيرة أشكالا و توجهات أخرى تختلف عن تلك التي ذكرناها من قبل ، و إن كان بعضها يعتبر تجسيدا حديثا لأفكار قديمة تتفق في بعض نقاط نذكر منها. 
اولا. اتخاذ الجانب الفكري و الديني و الثقافي و الاجتماعي من حياة الشعوب العربية و الإسلامية ميدانا للنقد و البحث دون غيرها من الجوانب التي تشهد تأخرا و تراجعا ملحوظا أيضا مثل العلم أو الإدارة أو التكنولوچيا. 
ثانيا.  اقتصار الأبحاث النقدية على جوانب الثقافة الدينية الإسلامية  على  وجه الخصوص في أغلب الأحوال و ربما كان مرجع ذلك إلى أن الثقافة الإسلامية هي الأكثر انتشارا في منطقتنا دون غيرها من الثقافات و إن اختلفت تفصيلاتها و تفسيراتها اختلافا كبيرا بين المسلمين أنفسهم.  
ثالثا.  اتخاذ أساليب النقد و التمحيص المستمدة من فلاسفة و مفكري الغرب قديمو حديثاا مثل ديكارت و غيره كطريق للبحث و النقد فيما يتعلق بالثقافتين الإسلامية و العربية ، و يكون ذلك في أغلب الأحيان راجعا لتأثيرات الدراسة و التعليم و الاختلاط و مساكنة أهل الثقافات الغربية لدى أغلب رواد مجال التنوير في العصرين الماضي و الحاضر  فالدراسة في أوروبا كانت هي السمة الأساسية لكل أجيال المتعلمين الجدد منذ عصر الأسرة العلوية و حتى وقتنا الحالي. 
و لكن التشدد الذي طال بعض المحافظين طال أيضا بعض التنويريين ، أعني أن مفهوم التنوير لدى الكثيرين منهم قد اتسع و امتد ليشمل الرفض التام و الكامل للمعتقدات التي يؤمن بها فريق المحافظين كثوابت مستقرة لديهم ، و لا أقول إن رأي فريق المحافظين صحيح تماما فيما يتعلق بالثوابت و ماهيتها ، فقد توسعت تلك الثوابت و امتدت لتشمل أفكارا و آراء بشرية لأفراد عاديون لا يتسمون بالعصمة عن الخطأ أو الزلل ، و هذا في رأيي خطأ بين لا يقل عنه خطأ التنويريين في رغبة البعض منهم محو الموروثات و آراء المتقدمين زمنيا بكاملها دون النظر للجيد منها و تمييزه عن الردئ المغلوط الذي لا يقبله العقل السوي. 
و سأحاول أن أوضح النقاط التي يمكن أن تعتبر قاعدة منطقية نوعا ما للتفكير في موضوعنا. 
اولا.  
لابد لمن يرغب في إصلاح فكرة أو معتقد ما أن يجد بين يديه مادة ما ليعمل على إصلاحها ، أعني بهذا على سبيل المثال أن من يرغب في إصلاح التراث الفقهي الإسلامي فعليه أن يتبقى لديه على أقل تقدير المصادر الأساسية التي يمكن للباحث في  هذا الشأن أن يستنبط منها آراء و إحكاما فقهية إسلامية كالقرآن و السنة النبوية الممحصة المدقق فيها، و بإمكان الباحث أن ينحي جانبا آراء المشتغلين بالفقه الإسلامي قديما و حديثا و يبدأ في الاستنباط من الصفر و هذا شأن يخص كل إنسان يملك قواعد الاستنباط و مهاراته ، و لكنه في رأيي تضييع لفرصة كبيرة في الاستفادة من دراسات أجريت قديما و حديثا حول أمور قتلت بحثا متعلقة بكثير من أمور الشريعة التعبدية و التعاملية ، و لكن كما سبق و ذكرت فالأمر متروك لحرية من يريد البحث و الاستنباط ، و لكن إذا هدمنا بنيان الفكرة من قواعده و ساوينا في الرفض بين جميع جوانبها من ثوابت متفق على صحتها بعد تدقيق و بحث و فروع مختلف فيها فلن تتبقى لدينا فكرة أو قضية نصلحها من الأساس. 
ثانيا. 
جميع البشر قابلون للوقوع في أخطاء و العصمة من الخطأ لا يمكن لأحد من البشر أن يكتسبها بجهد أو بتدريب أو ما شابه، إنما هذه العصمة من الخطأ لم توهب لبشر على مدار التاريخ الانساني سوى لأفراد معدودين و هم الأنبياء و الرسل ، بل إن الأنبياء و الرسل كان يجانبهم الصواب في تقدير بعض الشئون الدنيوية الحياتية التي لا تتعلق بالدين و لا بالتشريع ، و هذا نتيجة وجود صفات العنصر  البشري فيهم و التي تؤثر عليهم كما تؤثر على غيرهم من البشر ، و امتدادا لهذا المفهوم فإن البشر سوى الأنبياء و الرسل معرضون للخطأ في كل من الأمور الحياتية و الدينية و التشريعية سواء بسواء  ، فلا عصمة لهم كما ذكرنا و آراؤهم و أفكارهم تقاس بالنسبة للثوابت المتفق عليها و التي تبنى عليها الأفكار و الاتجاهات فإن وافقتها تم قبولها و إن خالفتها فلا تقبل. 
ثالثا.
يجب على كل من يرغب في الوصول إلى الحقيقة الفكرية و الاعتقادية أن يفرق بوضوح بين جانبين أساسيين اختلطا في أذهان الكثيرين و هما النصوص الإلهية القادمة من الله مباشرة أو النبوية المثبتة عن الرسول و هي أيضا قد تحدث بها الرسول الكريم بوحي من الله و بين الاقوال البشرية التي قد تأتي في صورة تفسير للقرآن أو توضيح لمعاني الحديث النبوي أو تكون مبدأ فقهيا مستنبطا بواسطة أحد العلماء أو رأي ديني في قضية ما، فالجانب الأول بشقيه هو ما له التقديس دون الثاني ، و لكن عدم تقديس الآراء البشرية لا يعني ازدراءها او تنحيتها دون البحث في جدواها و أهميتها ، فذلك هو الانغلاق و الجمود بعينه. 
رابعا
الرغبة في نسف و محو ثوابت الآخرين أو آراءهم سواء رغبة في إصلاح فكرهم و تنويرهم أو لإبقائهم تحت مظلة أفكار ما سواء كانت موروثة أو مستحدثة يمثل في رأيي مصدرا لخطورة لا تقل عما يمثله الإرهابيون ذوي التزمت و التطرف الفكري و الديني ، بل إن أغلب صور التطرف و التشدد التي عرفناها قديما و حديثا قد نجمت عن ممارسة ضغوط هائلة ، دينية و غير دينية من فئة ما على فئة أخرى ، فكان الضغط الذي ولد الانفجار ، و بدلا من انتاج جيل متنور أو متمسك بموروثات معتدلة على أقل التقديرات وجدنا أمامنا أجيالا متلاحقة ممن أصبح القتل لديهم هواية و متعة ، لا يعطون لحياتهم ، فضلا عن حياة غيرهم أية قيمة ، و الله وحده يعلم كم من الوقت سوف تستغرقه تنقية أفكارهم من تلك السموم القاتلة لهم قبل غيرهم إن أمكن ذلك من الأصل.  
خامسا
من الممكن إخضاع جميع فروع التراث الديني الناتج عن جهود العلماء و الباحثين للتدقيق و التمحيص التدويني و التاريخي ، و أعني بهذا التراث كلا من التفاسير و الآراء الفقهية ، فالعلماء كما سبق و ذكرنا هم بشر يصيبون و يخطئون ، و القداسة لا تنبغي إلا للقرآن الكريم نظرا لتواتره و اتصاله إلى العصر التنزيلي و تنبغي كذلك للأحاديث النبوية التي تمت دراستها لفظا و اتصالا إلى الرسول و تم كذلك بحث حال رواتها و دقتهم ، و ما عدا هذين الأصلين فكل شيء قابل للنقد ، دون رمي التهم جزافا أو دون علة و لا دليل ، فالأمانة العلمية و خطورة الشأن كلاهما يقتضيان البحث المحايد دون تحكيم الميول و الأهواء الطائفية و السياسية و الفكرية في مجريات البحث ، و إلا كان ذلك البحث نوعا من العبث الذي لا طائل منه و لا نتيجة ترجى منه لباحث عن الحقيقة.  
سادسا. 
لا يملك المصلح أو داعي التنوير السلطة المطلقة لمحو أو إثبات ما يحلو له من مواد التراث دون سند من أبحاث دقيقة ، و لا أعتقد أن شخصا واحدا و إن كان يملك ثراء ثقافيا كبيرا ، لا أظن أن شخصا واحدا كهذا يمكنه أن يقوم مقام الرقيب أو الحاكم على تراث ضخم كالذي يمتلكه المسلمون بجيده و رديئه و قديمه و حديثه، فالأمر أضخم حجما و تأثيرا من أن يتم التعامل معه بسطحية أو بعدم اهتمام كاف بتفصيلاته ، و لكن المشكلة تكمن في وقتنا الحالي في أن الكثير ممن يتصدون لقضايا التنوير الفكري أو الإصلاح الديني يتخذون منابر و وسائل لا تتيح لهم و لا لمتابعيهم الفرصة الكافية للبحث النقدي أو المناظرة الفكرية المثمرة ، فوسائل التواصل الاجتماعي أو البرامج التليفيزيونية تصلح لتوصيل مبادئ فكرية أو قواعد عامة مبدئية للأفكار أو المعتقدات ، و لكنها لا تصلح كميدن للبحث الدقيق لأمر أو قضية ما من جميع جوانبها ،  و لكن المشكلة تكمن في أن تأثير تلك الوسائل التي ذكرناها على المتلقين أصبح لا ينكر ، و هناك مقدرة ملموسة على تحريك المجموعات البشرية لدى الكثير من مشاهير تلك المواقع و الوسائل ، و هو ما ينذر بالعديد من العواقب التي قد تكون مدمرة إذا لم يكن ذلك المتحدث أو المحرك للمجموعات على القدر الكافي من الأمانة أو المسئولية العلمية و الاخلاقية تجاه جمهوره. 
سابعا. 
يروج الكثير من المتحدثين و الباحثين في قضايا التنوير و الاصلاح لقضاياهم عن طريق إلقاء الكثير من الضوء على نقاط معينة لمذاهب و أفكار متزمتة أو جامدة او خلافية للمذاهب و الاتجاهات الدينية ، و الهدف من وراء ذلك يكون في الغالب هو الرغبة في تسويغ القبول و التلقي لدى الجماهير للأفكار التنويرية و الاصلاحية ، و إن كنت في الواقع أرى أن ذلك أسلوب قريب من الديماجوجية*
 علما بأن الكثير من تلك المذاهب و الأفكار المتزمتة و الرجعية و إن كانت متواجدة بالفعل إلا أنها أصبحت تشغل حيزا ضئيلا ينكمش تدريجيا مع مرور الوقت و  الاتصال العالمي المطرد فلا أرى داع حينها لتضخيم حجم ذلك الفكر ، لا أنكر أن الجنوح إلى الغلو و التطرف ليسا مرتبطين بزمن معين ، فأفكار كتلك التي أشرت إليها ستجد من يتقبلها و يتخذها أسلوبا للتفكير حتى في عصر علمي مادي كالذي نحياه ، و لكن ما أود أن ألفت النظر إليه هو أن المجتمع العالمي أصبح في حالة من الانفتاح المعرفي و الاتصال غير مسبوقة.، مما أصبح معه من الصعب أن ينغلق مجموعة من الناس على مجموعة من الافكار الرجعية دون ان يقتحم عليهم انغلاقهم هذا عشرات المؤثرات و العوامل التي ستجعل التمسك بالأفكار الشديدة التزمت و الصلابة في عداد المستحيلات، ثم إنني أود أن أكرر أن مواجهة الأفكار الخاطئة لتصحيحها أو تنوير معتنقيها لا يكون بالتسفيه و الرغبة في المحو ، بل يكون بالنقاش العلمي الموضوعي الهادئ للوصول إلى الحقيقة في نهاية الأمر. 
و ختاما فإن مجتمعاتنا العربية و لا شك قد عانت لسنوات طوال من الوقوع أسيرة لأفكار جامدة لا تقبل التطوير بسهولة ، لكنني أرى في الوقت ذاته أن الماضي لم يكن كله مقدسا فاضلا كما لم يكن كله شرا ، بل كانت فيه سنوات مضيئة عاش فيها رجال لهم أياد بيضاء على تاريخنا و ثقافتنا ، و أخرى مظلمة تقهقرنا فيها إلى الوراء ، فلنفرق بين هذا و ذاك ، و يجب علينا و أكرر أن نفرق بين التراث السماوي و التراث البشري ذلك من جانب ، و على  الجانب الآخر أن نفرق بين الإصلاح و التنوير مقابلا للمحو و التشويه.  
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
* الدِيماغُوجِيّة أو الدَهْمَاوِيّة أو الدَهْمَانيّة أو الغَوْغَائِيّة (من اليونانية ديما من ديموس δῆμος "شعب"، وغوجيا من "أگين ἄγειν "قيادة") وهي إستراتيجية لإقناع الآخرين بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة.ويشير إلى إستراتيجية سياسية للحصول على السلطة والكسب للقوة السياسية من خلال مناشدة التحيزات الشعبية معتمدين على مخاوف وتوقعات الجمهور المسبقة، عادة عن طريق الخطابات والدعاية الحماسية مستخدمين المواضيع القومية والشعبية محاولين استثارة عواطف الجماهي















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده




افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق