يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

قطن وشاش - قصه قصيره

2019-11-23 11:35:02 منوعات ...








قصة قصيرة



قطن وشاش





قصة قصيرة



د.عبدالله البلتاجى





*****************



كانت دقات الساعة تعلن الثالثة بعد الظهر
, عندما تعالى نداء الحق , الله أكبر , الله أكبر , يتردد فى جنبات المدينة الصغيرة



. أسرعت فى الإنتهاء من طعام الغذاء , للوضوء , واللحاق بصلاة العصر جماعة فى المسجد
الكبير . عند خروجى من باب المسجد وجدته واقفاً فى الإنتظار , تعلو وجهه مسحة حزن غير
مألوفة .



قلت : سعيد صابر مظلوم, مكفهراً ! .





قال: أشعر بضيق فى التنفس , واكتئاب, كأنه
آخر الدهر .



قلت : لا , أنت محتاج كوب الشاى المعتاد
, فى مكانا التاريخى .



ودلفنا نقطع الأزقة والشوارع الضيقة , المليئة
بالحفر , وبرك الماء , المكتظة باجسام المارة , العائدون من أعمالهم , محملين بالطعام
والشراب , والهموم أيضا , حتى وصلنا إلى المقهى المطلة على ميدان المحطة , وكذلك على
النصب التذكارى لشهداء حرب أكتوبر المجيدة , حيث نلتقى دائما نجتر الذكريات , ونواجه
مشاكل الواقع المرير . وما أن جلسنا فى مكاننا , ننظر إلى الميدان , وقد خلا من الباعة
الجائلين - الذين فى العادة يفترشون الأرض والأرصفة لبيع بضائعهم البسيطة – بعد حملة
الإزالة التى عملت بنشاط خلال اليومين الماضيين , حتى بادرنى قائلا : الواحد غير قادر
على حل الأزمات المالية المتلاحقة ! .



قلت : بمعنى .



قال :اليوم الثانى عشر من شهر أكتوبرالمجيد
, شهر الكرامات , والتضحيات , والذكريات الشامخة , ومع ذلك لم يبقى من راتبى الشهرى
شئ !!!.



قلت : يا عم سعيد لا تعقد الأمور على هذا
النحو .



قال : أنا لا أعرف كيف أكون سعيدا , وأنا
صابرا , ومظلوما !!! , مع خدمة ثلاثين عاما , منذ حصولى على الدبلوم عام 1966 , وما
زال راتبى حتى الآن مائتى جنيه !!!, فقط تكفى الإيجار , والعيش , والتموين ,والفول
, والطعمية , ماذا أفعل فى مصاريف الجامعة لمرقس , وفليمون أولادى الكبار فقط ؟ , وكذلك
إستخراج إشتراك السكك الحديدية لهما لكى يذهبا إلى الجامعة , مع بدئ العام الدراسى
الجديد ؟



قلت : أشكر ربنا أن أولادك متفوقون , ومجتهدون
, ولا يحتاجون دروسا خصوصية . أنا عندى الولدين الكبيرين فى الثانوية العامة معا ,
محتاجون خمسمائة جنيه شهريا للدروس الخصوصية فقط . إذا فرضنا أن أولادك يأخذون دروسا
خصوصية بمثل هذا المبلغ فقط , يبقى مرتبك سبعمائة جنيه , وليس مائتى جنيه فقط .



قال : الحمد لله , ربنا يوفقهما , هما الأمل
الذى أعيش من أجله .



قلت : غدا يتخرج أولادك من الجامعة , ويبقى
مرقس الملحق التجارى فى لندن , وفليمون الملحق الزراعى فى واشنطون , مثل أخوالهما
, أما الصغيرة هناء , تبقى أستاذة جامعية , وتبقى ياعم سعيد , سعيد .



قال : يسمع منك ربنا .



قلت : فاكر كم مرة جلسنا هنا نناقش مشاكلنا
منذ أن أنهينا الخدمة العسكرية بعد نصر أكتوبر , بعد خدمة ست سنوات منذ هزيمة يونيو
1967 . كم من زملائنا استشهدوا فى الحرب , وأسمائهم مدونة على هذا النصب الواقف أمامنا
الآن ؟ كم من المشاكل اعترضت حياتنا , ومرت , وأصبحت ذكرى .



ارتشف الرشفة الآخيرة من كوب الشاى الموضوع
أمامه على المنضدة , وقام وهو يقول : لا أعرف لماذا صدرى منقبض هكذا !!!.



قلت : إن شاء الله خير .



قال : لقد أصبحت الساعة الخامسة , سوف أعود
إلى البيت لأساعد الأولاد .



قلت : انتظر , أشرب أنا أيضا الشاى , ويكون
قطار الخامسة قد مر , حتى تعبر المزلقان بعد الزحام .



قال : لا أعرف لماذا لا تعمل هيئة السكك
الحديدية نفقا للمشاة أسفل المزلقان , حتى لا يتعرض المارة لخطر الموت تحت عجلات القطارات
السريعة عند عبورهم المزلقان ! .



وانصرف فى طريقه إلى محطة السكك الحديدية
مارا بنصب الشهداء , فوقف ينظر إليه كأنه يراه لآخر مرة , ثم مضى وسط الزحام يخترق
المارة , وما أن إختفى وسط الحشود المنتظرة أمام مزلقان المحطة , حتى سُمع دوى إنفجار
مروع جعلنى فى حالة ذهول , حتى رأيت قطار الخامسة , يحطم الصدام , ويكسر المزلقان
, ويخرج عن القضبان , محطما كل شئ فى طريقة , المحلات , والمارة على السواء , ويخترق
الميدان , يمزق الأجساد , ويحصد الأرواح , حتى وصل إلى نصب الشهداء , فلا يوقفه شئ
, سوى النصب , الواقف شامخا وسط الميدان . فى التو واللحظة تعالت صرخات الضحايا تحت
عجلات قطار الموت , أما القاطرة المجنونة فعندما اصطدمت بقاعدة النصب , إرتفعت إلى
السماء محتضنة النصب فى شموخ , وركوع .



وبعد أن أفاق الجميع من هول صدمة الكارثة
المروعة , ويكتشف الأهالى أبعاد المأساة , أخذ الجميع يجرون فى إتجاه موقع الحادث الأليم
, لنجدة من دهمهم القطار , ويبحثون عن شئ يضمدون به الجراح , فلا يجدون قطنا , ولا
شاشا , فينتزع الأهالى ملابسهم يربطون بها الجروح , ويعصبون بها الرؤوس , حى إمتلئ
الميدان عن آخره بأجساد الضحايا , والمواطنون النبلاء الذين جاءوا من كل فج عميق ,
وأصبحت ملابس الرجال , وأغطية رؤوس النساء تتطاير فى الهواء فى إتجاه الضحايا تحت عجلات
القطار , وأخذنا نرفع الأشلاء إلى عربات الإسعاف - التى كانت تشق طريقها بصعوبة بالغة
وسط الجموع الحاشدة – فإذا بين يدى بعض جثة ممزقة , فسقط من جيب البنطلون الممزق بطاقة
عائلية , فإذا به : سعيد صابر مظلوم !


















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق