كلنا بنحب الكتابة
#اربح_من_الكتابة_بحرية_تامة
سجل حسابك بالموقع الان

الخواء

2019-10-29 20:22:23 قصص و حكايات ...







الخواء

كان يجلس صامتاً في مكان ما قربي، ولكن وفي لحظة غريبة، وكإبرة مذياع التقطت موجة ناطقة فوقفت عندها، انطلق حديثه فجأة:

( لم يكن حولي أي جدار، بل إن خواء الأرض جعلني أتمنى وجود أي شيء حتى لو كان عقبة تحيط بي من كل الجهات.

كنت ابحث عن باب أو نافذة ما لا لأخرج بل لأدخل في شيء ما، أي شيء حتى لو كان مأزقاً أو هاوية، كنت أرى الآخرين يقعون في بعض الحفر فأسير خلفهم كي اقع مثلهم، إلا أن خطواتي كانت تتابع سيرها في الفضاء الخالي فوق الحفرة كما لو لم تكن موجودة، وحين كنت أنظر للأسفل أراهم يتخبطون وهم يصرخون من الم السقطة.

أحياناً كنت أرى بعضهم يتسلق جبلاً شاهقاً وهو يعاني التعب والإرهاق فتغريني مشقة الصعود، ومن الخطوات الأولى أكتشف اني أسير فيه دون أن يعترضني كما لو لم يكن هناك جبل أو طرق وعرة تستهلك الجهد والطاقة، أعاود النظر إلى أولئك الذين يتابعون الصعود  فأسمع أصوات معاناتهم من بعيد، ورغم أنني اخترت نفس الطريق تنكشف الأرض أمامي سهلة وقد نامت العقبات تحت قدمي سهلاً مستوياً هيناً على خطواتي.

أقلّب بصري في كل الاتجاهات أبحث عن أولئك الذين اختاروا أكثر بقاع الأرض وعورة وصعوبة، أسير بينهم محاولاً أن أقلد أصواتهم التي تئن من التعب والإنهاك لكن نعومة الطريق وسهولته بالنسبة لقدمي تفضح محاولاتي الفاشلة للانضمام إلى معاناتهم. لقد صعد من صعد وانحدر من انحدر بينما أعاني خواء الأرض من أية عقبة تستحق المحاولة، تتراءى لي النوافذ والأبواب لكن حين أقترب منها تتلاشى، أما الشمس الجبارة فتشرق كل يوم من مكان مختلف كي لا أثق بالاتجاهات المزعومة، كما أنها وفي كثير من الأحيان وبعد أن تطل برأسها قليلاً بما قد يشبه الصباح تتراجع تحت الأفق وقد غيرت رأيها بشكل ملفت تاركة الحديث للظلام والأضواء المزيفة.

الظلام ذلك الثابت الراسخ الذي يتحدث منذ الأزل بلغة واضحة ليس فيها أي أثر للتردد أو الحيرة، بينما يتردد النور بين مختلف الجهات وهو يشرق ثم يخبو فجأة، يضعف حتى يكاد يختفي ثم يتوهج على حين غرة حتى يعمي الأبصار، يتكرر ظهوره بعدة أشكال صادق مخادع أصيل مزيف منقسم مختلف لكنه دائماً يشترك بنفس الصفة وهي المهارة العالية بصنع الأوهام و الحقائق المزيفة.

أنظر حولي فأرى الجميع يتابعون الحياة كما لو كانوا فوق أرض راسخة فيها مدن وبيوت وقرى وبساتين فيها دروب يغمرها الليل ثم يتبدد ظلامه تحت وطأة الصباح، والبشر المنقسمون دائماً، يتفقون على ما لا يمكن إثباته وجميعهم لديهم تواريخ محكمة لكل شيء. أتساءل ماذا يرتدون على أعينهم كي يتمكنوا من الإيمان بكل هذا الوهم غير المتقن).

عند هذا الحد توقفت عن سماع محدثي ولأنني لا استطيع وضعه على القمة التي يستحق، دفعته وبدون تردد نحو الهاوية الوحيدة التي كان يمكن له أن يسقط فيها منذ البداية، وهكذا وبدون أن يستغيث، كان يضحك عالياً جداً وهو يسخر كالعادة من كل شيء، وهو يهوي في أعماق الجنون.
















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده




افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق