يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

مأساة الإنسان في ثلاثية يوسف زيدان

2019-01-12 06:14:38 اقلام و اراء ...






بقلم: رجب منى السيد

رواية نور هي خاتمة الثلاثية: محال، جوَّنتنامو نور .. للأديب يوسف زيدان. واتخذتْ الثلاثية في مجمل صورتها العامة السردية، شكل نهر النيل الذي هو جذرٌ ممتد ليصير له فرعين، أي أن أحداث الثلاثية لم يكن بشكل تصاعدي كما هو الحال في ثلاثية نجيب محفوظ مثلاً. وإنما جاء سرد ثلاثية زيدان بشكلٍ آخر، فسوف ترى أن محال نهرٌ وفرعيْ النهر هما جونتنامو ونور، وهذا مما يجعلها جديرة بوصف: الثلاثية المتصلة المنفصلة، نظراً لأن سياقها العجيب جداً يسمح لك أن تتناولها بشكل تصاعدي أو تنازلي. ثم أن هذه الثلاثية تطرح عدة من القضايا الجوهرية المحورية في آن، بشأن المجتمع العربي بوجه عام، وفي المجتمع المصري بصفة خاصة، قضايا مثل: الهوية، الإرهاب الإجتماعي والسياسي، الذكورة والأنوثة، التطبيقات العملية للدين والتصوف والفلسفة في ذهن العامة!

ومبتدأ سرد رواية محال جاء جغرافياً من أدنى جنوب مصر، واتخذ سبيله نحو اتجاهين وهما: جونتنامو، ونور.. وسوف ترى في الجزء الأول من الثلاثية أن الكاتب ضرب مثلاً: كيف حوَّلتْ أفاعيل السياسة الشخص الوديع المسالم إلى إرهابي مجرم مطارد دولياً. واختص الكاتب بنموذج بن لادن للتدليل على رؤياه في الرواية، فقام بحيلة سردية أهَّلت له معقولية إسقاط بؤس وحطام شخصية "سمارة" الخيالية على شخصية بن لادن التاريخية. فكان بن لادن يتكفل بتوزيع الصدقات ومراعاة الضعفاء في السودان لفترةٍ ما، ويقول الراوي العليم عن بن لادن إنه كان ذو نظرة تدل على المسكنة والوداعة والسكينة، وإنه كان يوصي بتوزيع الصدقات على المسلمين وغيرهم احتجاجاً بعبارته: أعط من يستحق ومن لا يستحق، يعطك الله ما تستحق وما لا تستحق! وهكذا كان الظهور الأول لبن لادن، ثم تتغير الشخصية مع تقلبات الحال والأحداث. يهاجر إلى أوزبكستان وأفغانستان ويحارب بن لادن السوفيتيين ويهزم كبرياء الجيش الروسي، فيصير بذلك بطلاً شعبياً وتكرمه السعودية وتحتضنه وتتكفل برعاية البطل هازم الروس، ولكن كل شيء انقلب ضده حينما اعترض على وجود قواعد جيش أمريكي بأرض السعودية إذ قال إنهم كفار ولا يجوز وجود جيشهم هنا. حينذاك صار الملاك شيطاناً وصار البطل إرهابياً! فصار المسالم منذ البداية إرهابياً بفعل السياسة! وأرى فيما أظن أن الكاتب لم يكن يقصد تبرئة بن لادن من هوسه بالإجرام، وإنما يريد من القارئ أن يتأمل ويتفحص الخط الزمني لحياة بن لادن حتى يستطيع الوصول إلى الثغرة التي تسللت منها متلازمة الغطرسة، فانهزمت إنسانيته تماماً أمام تلك الشهوة القميئة. الإنسان لا يولد شيطان ولا ملاك. إن الخط الزمني للنفس البشرية شديد الدقة، يكاد لا يُرى، وقد وجّه الكاتب تلسكوبه السردي نحو ذلك الخط في تحفته الفنية عزازيل عن رحلة الراهب هيبا.. يريد أن نتأمل، لا لشيء إلا لنفهم. وهو مما أراه إعادة بناء لمفهوم العدو.

تلك المراحل التي مرَّ بها بن لادن، تشبه من أحد وجوهها المراحل التي مرّت بها الشخصية الرئيسية في محال وجونتنامو، وهي نفسها حجر أساس بناء رواية جوَّنتنامو. شخصية سمارة الشاب الوديع الهادئ، صاحب التدين الطيب اللائق بالإنسانية! إذ أنه لم يكن متشدداً ولا هو متزمتاً، وكان لا يؤاخذ الناس بما يفعلون. ذلك الشاب الذي سافر من موطنه إلى الدوحة ثم سافر من الدوحة لأوزبكستان لتغطية الأحداث السياسية كصحفي، ثم تورطت فيه القوات الأمريكية بعد أن تم بيعه في أرض أوزبكستان.


كانت المخابرات الأمريكية تدفع المال مقابل التبليغ عن الارهابيين، فوشي به أحد الفقراء مقابل مبلغ من المال. وحين اتضحت الحقيقة للمخابرات الأمريكية، رفضتْ أمريكا الاعتراف بالخطيئة لأن لها أعداء سوف تتشمت بها.

ولنا هنا وقفة تأملية مع المخابرات الأمريكية: بعد القبض على سمارة وإيداعه في معتقل جونتنامو، كانت هناك إتهامات موجهة ضده أثناء التحقيق معه، والإتهام يلزمه دليل لكمال الإدانة، فكان من بين تلك الأدلة موقفه مع سيدة عرضت عليه أن يمارس الجنس معها فرفض، فاعتبرت المخابرات رفضه للعلاقة الجنسية نوعٌ من الإرهاب! وكأن كل من يخالف تقاليد شعب أمريكا الحُر يصير في نظرهم إرهابياً! وأنت هنا سوف تفهم أن الديمقراطية ليست كتاباً منزلاً من السماء، وإنما الديمقراطية وتطورها له صلة بالتراث القديم الممتد فينا. مع مواصلة تعذيبه البدني والنفسي في سجن جوَّنتنامو لمدة 7 سنوات ، يخرج سمارة من المعتقل وهو مشروع إرهابي تحت الإنشاء. فبرغم كل المعاناة التي عانى منها في المعتقل لم تنبت بذرة الإرهاب فيه، إلا أن تغير أحوال العالم ستكون بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير. بعد أن فقد زوجه ومن قبلها خسر حبيبة عمره، وبين هذا وذاك ضاع مستقبله ووجوده وكيانه، فهل ينتحر أم يصير إرهابياً في حياته الجديدة؟. سيصير إرهابياً ولكن تحبه السياسة الأمريكية كما تحب خاله حمدون الذي لا يفقه شيء عن الدين. يزرعون الجماعات المتطرفة لأن وجودها في المنطقة يرضي بعض الساسة الملاعين، ويحقق كذلك طموحات مشتركة، وبخصوص ذكر شخصية حمدون أبو غاب الخيالية، أرَّخ له الكاتب في أحداث مذبحة الأقصر 1997 وقال بالإشارة إن حمدون أبو الغاب قام بشراء منتجعات سياحية في ذلك العام بعد مذبحة الأقصر بأيام، برغم أن السياحة كانت كاسدة. هو وشخصيات أخرى قامت بعمل مشاريع سياحية في وقت كانت السياحة فيه ميتة، حتى استعادت السياحة خفتها مزامنةً مع ترقية حبيب العادلي وزيراً للداخلية.. فتأمل!


سوف ترى أن الكاتب قد تعمق في الجزئين الأول والثاني في نقد التصور العام الشعبي عن الإرهاب، وكان حريصاً على توعية القارئ وخصوصاً الأجيال الناشئة، الجيل الجديد الذي ينبغي عليه أن يتعلم من تاريخ آبائه. ولكنه لم يطبق الأسلوب ذاته في رواية نور.. ففي نور سوف ترى عالم أكثر عمقاً وأقرب صلة بالمجتمع المصري، في رواية نور اهتم الكاتب بما يفعله الآباء في الأبناء. نور إعادة بناء لعلامات الترقيم، وتصحيحٌ للخبر، وتدقيق نظر.

خلال متابعتي للدكتور يوسف زيدان عبر ندواته الأصيلة في تناول قضايا حياتنا، ومنها قضية الأدب والرواية، سمعته يقول إن الرواية ليست مجرد حكايات نقولها، وإنما هي أعمق من ذلك. ووقتئذ لم أفهم مقصده، لأنني تسائلتُ: كيف لا تكون الرواية حكاية وهي أصلاً حكيٌ وسرد؟! . . واتضح لي مقصده -فيما أظن- حينما قرأت رواياته، وخصوصاً تلك الثلاثية، وفهمت عنه أن العمل الأدبي لا يجوز تلطيخه بأساليب الترهيب والتخويف والترغيب مثل حكايات الغول والسعلاة ومصاص الدماء وغيرها من حكايات الفانتازيا، وأدركتُ أن مقياسه الأول هو الإنسانية. حتى الخيال له قوانين. ولعلنا نفهم مذهبه من خلال عبارته عميقة الدلالة:  - إذا كان العقل يقود الجسد، فإن الذي يقود العقل هو المنطق. فما الذي يمكن أن تقدمه أي رواية للإنسانية؟ الجواب: نور. سوف تقدم الرواية الحقيقية النور، للإنسانية.. وكل عمل فني إنساني فيه تعزية وسلوان وحرية، هو أيضاً نور.

يفتتح الكاتب رواية نور بمشهد قد سمَّاه: في حِضن نور.. ولأنه اختار وصف الافتتاحية بحضن نور تساءلتُ: هل يقصد نور الأم أم نور الطفلة؟ من يحتوي من؟ أسئلة كثيرة احتشدت خلف بوابة عقلي بينما كنت أقرأ تلك الرواية، وخلال صفحات من القراءة جاء الجواب عن سؤالي الأول في مقطوعة سردية تخفي بين ثناياها الجواب، على لسان نورا الراوية حيث تقول: أشعرني موت أبي بوحدتي وباكتمال هزيمتي وبأن عالمي لن يعود وعليَّ التسليم باستحالة استعادته. وفي غمرة الأسى والاستسلام لليأس، جاءتني بقلب ليلة حالكة مشاعر أخرى غريبة عليَّ، وقوة لم أعهدها في سابق الأيام .. قوة الأمومة. فكانت افتتاحية الرواية بالسبر في أغوار الأمومة.. فالأمومة كانت دافع للبقاء. في مشهد أمومي مقدس، تحمل الأم ابنتها على كفوف ملائكية إلى فراش نومها، وتأخذها الذكريات نحو ماضٍ عجيب.. تتضارب الذكريات في جمجمتها الساردة بين ثلاثة أبعاد زمنية: الماضي والحاضر والمستقبل.. تزحف معها بتدرج عميق نحو عالم مصري جداً.


نورا الأم التي كان أستاذها د.أبو اليزيد ينبهها دائماً إلى أهمية إظهار التوازن وإخفاء ضعفها أمام طفلتها نور لأنها تقوم بدور مزدوج في التنشئة الاجتماعية. هو دور الأم والأب. فالابنة السوية تحب أمها في كل الأحوال، وتهاب الأب، وليس من السهل تحقيق هذا المزيج بين الحب والهيبة. ومما يساعدها على ذلك: نجاحها في عملها، وفي دراستها، وفي تأكيد اهتمامها بطفلتها حتى لا تقع فريسة للخوف والرعب من المجتمع. ولذلك اجتهدت نور الأم في مجالات حياتها بتوازن شديد كي لا يطغى أي اهتمام على الآخر. المدهش في سرد رواية نور هو أن ظهور أول تأريخ للأحداث كان في الصفحة رقم 22 عندما اتصلت بها صديقتها أمل المغتربة في الدوحة وأخبرتها أنها قابلت سمارة حبيبها السابق، في نفس تلك الصفحة جاء درسٌ في سياق السرد من د.أبو اليزيد المشرف على رسالة ماجستير نورا، يقول إنه لا توجد في الكون صدفة وشرح لها نظرية أثر الفراشة بقوله: إذا رفَّت فراشة بجناحيها في الصين يكون ذلك مرتبطاً بإعصار هبَّ في أمريكا. وكان ذلك التأريخ الأول في الرواية هو العاشر من أكتوبر عام 2001 أي بعد أحداث 11 سبتمبر بأيام معدودات، وهو نفسه التاريخ الذي ناقشته رواية جوَّنتنامو من زاوية المعتقل وقد صوَّرت جوَّنتنامو تلك الزاوية بدقة، وهو نفسه التاريخ أو أثر الفراشة الذي له صلة بأحداث كثيرة. وكأن لاوعي الكاتب قد تضافر لتكوين صورة معقولة.

يتميز الكاتب بأسلوب سردي فريد، يؤرخ للأحداث الروائية الخيالية بأحداث تاريخية واقعية، وقدرته على الربط ما بين الأحداث التاريخية وشخصيات الرواية الخيالية، فيكون ذلك التأثير هو وسيلة الفهم العميق لها ـوبالطبع هذه المدرسة يُعد نجيب محفوظ أحد مطوريها، وأقصد مدرسة تأثير الأحداث السياسية المعاصرة على مستقبل الشخصيات، كما في رواية يوم قتل الزعيم أو الثلاثية.. فاسمحوا لي بأن أقول إن يوسف زيدان استطاع أن يكون سبباً لإعادة التفكير من خلال شخصيات رواياته وأنه أحد العظماء الذين طوروا أسلوب تلك المدرسة.

سرد رواية نور كالوردة التي تتفتح شيئاً فشيئاً، فهي تبدأ بمشهد فعله المضارع من العام 2001 ، فتأخذ القارئ إلى ماضيها في العام 1997. ذلك العام المشؤوم لأنه كان عاماً تملؤوه الهزائم، ابتداءً من ضياع حبها حتى موت أبيها وطلاقها ثم نوال حريتها من زيجتها المؤسفة. ولكنها بين تلك الهزائم حققت انتصاراً واحداً في لحظة جامحة إذ وهبت نفسها لحبيبها وحققت شيئاً من الصواب واختلسته عنوة وتحدت تقاليد بالية إذ فقدت عذريتها، فكيف الحال في ليلة كتابة عقد عبوديتها؟ .. من جهتي كقاريء أرى أن سؤالاً أساسياً ينبثق في ذهن كل قاريء ذكي: أهذا هو حال ما بعد الكفر بالحقيقة؟ في رحلة السرد يعرض لنا الكاتب حالة اللامعيارية التي مرت بها نورا منذ لحظة زواجها ثم تركها للتعليم ، ثم موت أبيها ثم تطليقها من مفتاح زوجها البغيض، وكأن الكاتب يفتح نافذة شفاء ورحمة بمن تعصف بهم وتقتلهم حياة اللامعيارية. حتى أنها لم تعد تكترث للإشارات الوقحة المتبادلة بين زوجها وأرملة أبيها ، ولمّا واجهت أرملة أبيها بذلك تحججت بأنها كانت بحاجة للمال.. ودار بينها وبين أرملة أبيها ذلك الحوار العاميّ الذي أنقله بنصه لكم: - أيوة ما انتِ عارفة ياختي. الحالة كانت صعبة قوي. ومفتاح كان دايماً بيطمّعني بالهدايا والفلوس، وأنا كنت محتاجة. وكان لازم أرضيه. - طيب، خلاص. إيه المطلوب مني دلوقت؟


- ولا حاجة يا اختي، ولا حاجة. انا بس قلت أعدّي عليكِ، وأقول لك كلمتين قبل ما امشي واختفي خالص. على فكرة مفتاح ميعرفش إني ماشية، ومش هيعرف يوصل لي أبداً. كده خلاص. - إيه يا عزة، هتهاجري؟ - لا. بس أنا كده خلاص، خدت منه إلَّ كنت محتاجة له، واشتريت من شهرين حتة أرض في مكان كويس. جنينة فيها شجر برتقان، وجنبها بيت قديم وفيه حوش واسع. ولما أبيع المحصول السنة الجاية، هابني مكان الحوش جامع صغير. - نعم! جامع - أيوة، علشان ربنا يسامحني. أنا عملت ذنوب كتير، ومفتاح زوّدها قوي الشهور إلَّ فاتت. كان بيطلب مني أجيب له نسوان، وبعدين بقى يجيب صحابه، والجيران خدوا بالهم، وبقيت خايفة يبلغوا عننا، وألبس أنا قضية وهو يطلع منها زي الشعرة من العجين. قلت لنفسي يا بت كفاية كده، وبعدين أنا مش حمل بهدلة، أنا خلاص عديت الأربعين وفاضل كام سنة وهابقى وصلت خمسين، يعني خلاص، حُسن الختام.

- آه، ونويتي تبني جامع! - أيوه. بس مش هابنيه من الفلوس اللي خدتها من مفتاج جوزك، أنا هاستنى لحد ما أبيع البرتقان، علشان فلوس الزرع حلال. أنا سألت. قالولي الزرع فلوسه حلال، وممكن ابني بيها الجامع واعمل حاجات خير. - يا سلام، وفلوس الأرض إلَّ طلعت الزرع. - لا ياختي، دي ملهاش دعوة. - طيب يا عزة، انتِ حرة. المهم عايزة مني إيه دلوقت؟ - مفتاح. محتار قوي، هيتجنن، بيشك إن البنت نور مش بنته. - يشك ولا يتشك في قلبه، أنا هاعمل له إيه!

كما ترى .. لقد مرج العامية والفصحى يلتقيان بينهما برزخ البلاغة لا يبغيان. ومن جهتي أرفض مذهب كتابة الحوار بالعامية لأنني لا أحتمل الفجوة بين السرد والحوار.

وهناك نغمة أخرى .. سيمفونية التقاء التدين بالمصالح الشخصية: ناقش الكاتب عدة قضايا، منها ما جاء على شكل أسئلة وأجوبة كما هو الحال في الحوار بين نورا وأستاذها د.أبو اليزيد، فكان منها مثلاً: طغيان ارتداء الحجاب وفرضه أولاً على المناطق الفقيرة وتم قهرها على ارتداء الحجاب لأنها واحدة من الفقراء، وكأن الفقراء لا يحق لهم التشبه بما يجب أن يكون عليه كل إنسان حُر، وكأن الفقراء محرمٌ عليهم التفكير المنطقي، وكأن أبسط الحقوق الإنسانية صارت تؤخذ بمقابل مالي! وخطباء المساجد في المناطق الفقيرة، كل خطيب منهم ينعق بما عنده: الفقراء والأطفال أحباب الله، الصبر، نصرة دين الله، التقيد بنمط تديني صحراوي.. وعندما استشارات أستاذها وخصوصاً أن زميلاتها المسيحية أخبرتها أن نفس الخبل يقال في الكنيسة، أخبرها أستاذها ساخراً: لا يوجد فرق اصلاً بين هؤلاء وهؤلاء.. ولما كان الحجاب أول هزائمها، استشارات أستاذها بشأنه، فأخبرها: تغطية الشعر بقطعة قماش، ظاهرة جديدة على مصر ولم تكن موجودة إلا لدى الريفيات لتفادي الشمس، وفي الخادمات اللواتي يخشين أن يتناثر شعرهن في الطعام. وإنما الحجاب والنقاب في الأصل عادة يهودية، ولم يكن يعرفها العرب ولا يعترفون بها قبل الإسلام! ويقول الطبري في أحد كتبه: إن سجاح المتنبية أول امرأة عربية غير يهودية ترتدي النقاب. ورأى الدكتور أبو اليزيد أن الحجاب قد صار مسألة سياسية لدعم الاتجاهات الدينية المتشددة، وربما يكون الحجاب من دعائم فكرة الاستغناء التام عن الدنيا أملاً في الآخرة وبالطبع تلك الفكرة تعود لصالح الحكَّام. وأضاف د.أبو اليزيد إن الحجاب فخٌ وقعتْ فيه نساء مصر بالنواحي الشعبية وغير الشعبية، وأضاف متشائماً: بعد فترة ستصير مصر كلها عشوائية بسبب فساد الذوق العام، وانعدام التخطيط، وعزوف الشباب عن العمل العام، وانتشار الفساد في الكيانات العليا والسفلى.

وعلى سيمفونية التقاء التدين بالمصالح الشخصية يعرض لنا الكاتب في رواية نور مأساة "أمل" صديقة نورا منذ الطفولة. ومأساة أمل نفسية في الأساس لأنها وقعت ضحية اغتصاب جنسي في طفولتها، ثم تكونت لديها عقدة من أمها ومن الرجال عامةً، ورغم ذلك داهمتها رغبة جمع المال فكوَّنتْ شقة للزواج المسيار الذي لا يختلف عن المفهوم الشعبي العام للزنا، وليس مفهوم الزنا مثلاً في مصر القديمة الذي كان يعني فقط: الخيانة الزوجية .. فتأمل! .. ومن خلال مأساة أمل تم عرض حالة من نوع مختلف لامتزاج التدين بالمصالح الشخصية بعيداً عن السياسات الدولية. ويبدو لوهلة أن الصراع الواقعي هو صراع ضد المال، فمن ذا الذي يستطيع الصمود والتمسك بمبادئه؟ وألا ينهزم أمام تيار اشتهاء المال؟ إن هذا التحدي القاسي قد واجه نورا التي فوجئت بأن حمدون أبو الغاب رجل الأعمال والسياسي الجديد القذر والذي لا يعرف غير لغة المال، قد اشترى الشركة التي تعمل بها، وهي التي كان راتبها يسمح لها بترف المعيشة كيف ستتحمل ترك هذا العمل والعيش في التقشف العلوي وترك ترف معاوية على حد التعبير التاريخي؟ وهل ستتحمل انخفاض منسوب دخلها المادي مقابل نوال حريتها؟ إنك في الواقع تواجه ما تريده وليس ما لا تريده، فأنت تقاوم القدرة على الصدق وذلك بعكس ما تتصور أنك تقاوم الكذب. فمن السهل أن تمتنع عن الكذب، والأصعب جداً أن تكون صادقاً وتلك هي المقاومة. وكذلك من دلائل أن المعركة ضد المال ما تعرضت له "ياسمينة" صديقة نورا، ياسمينة من حي راقي ومن مستوى يبدو أرستقراطي، ومع ذلك واجهت صعوبات في حياتها الزوجية، ففوجئت ياسمينة بفضائح ترتكبها أسرة زوجها الأرستقراطية جداً ولأن أسرة زوجها ليست بحاجة للمال فلن تضطر إذن أن تمزج التدين بمصالحهم، فمارسوا فجورهم بجرأة علنية. وكذلك مأساة "أشرف" حبيب نورا وهو يحكي كيف خانته زوجته، ولأنها لا تفتقر للمال فلم تجد فائدة من مزج التدين بمصالحها الشخصية. أما أمل الفقيرة مزجت عملها اللاشرعي بالتدين لتصبغ عليه صبغة شرعية فيصير عملها غير مؤنباً لضمير فاعله لأنها بحاجة للمال، فينال كلٌ ما يريده دون أن يصرخ ضميرهم. وعموماً سوف تجد أمثلة كثيرة متنوعة وعديدة لحالات مزجت الدين بالمصالح وحالات أخرى لم تجد فائدة من البهارات الدينية. والعجيب أن المؤسسة الأمريكية تقوم مصالحها على بقاء نمط متشدد من التدين فاضطرت إلى برمجة بعض الجماعات الإسلامية لصالحهم، فصارت المنطقة حلبة صراع بين البرمجة والبرمجة المضادة للبرمجة! وهناك وجهة أخرى في تلك الرواية لا بد من الإشارة لها: في بدء قراءتي لرواية نور عانيت من صعوبة فهمها، مع أن اللغة بليغة تخترق حجاب العقل بكل سرور واستمتاع، ثم تيقنت مع محاولة الفهم أن هناك بعض الشروط لفهم هذه الرواية، وأهمها: نور.. رواية أنثوية، ولك أن تتذوقها بحس ذكوري، أو أن تقرأها بطريقة خشنة فلا بأس بالشكل الذي تستقبلها به. ولكن هناك شرط ضروري لفهم هذه الرواية وهو: أن تقرأها كأن أنثى هي التي كتبتها ثم بعثتها لك في رسالة. ثم أن رواية نور جاءت هديةً للسكندريين، فإن كنت سكندري فلسوف تتذوق الرواية بشكل مغاير لأنك ستطوَّف بالأنحاء السكندرية.

يعرض الكاتب مأساة العمارة في مصر عموماً والإسكندرية خصوصاً، وذلك على لسان أشرف الذي أرسله الرب لنورا -حسب تعبير الراوي المتفاعل مع الأحداث- بعد ضياع سمارة لعشرة سنوات. وهذا أشرف قد أثبت لها أن الحب الأول خُرافة. أخبرها أشرف المعماري في سياق سرد الأزمات المتتاليات: إن العمارة من حيث التصميم الخارجي تعكس رؤيتنا للعالم ، وتعكس طريقة تعاملنا مع الطبيعة المحيطة بالمبنى، والروابط الدقيقة بين الوظيفة والقيمة الجمالية. ومن حيث التصميم الداخلي، تراعي العمارة وظيفة المكان بشكل كبير، لكنها تضفي عليه بالفن والإبداع ما يجعله أعمق تأثيراً في النفس. فمن الممكن عمل تصميم داخلي لمنزل زوجية على نحو معين، يجعل الزوجين يشعران بمحبة أكثر لبعضهما، وبالعكس، يمكن عمل تصميم داخلي آخر يجعلهما يكرهان بعضهما بعضا حتى لو كانا من قبل متحابين. بل ويكره الواحد منهما ذاته، من فرط الشعور بالضيق النفسي، حتى وإن كان المنزل واسع المساحة ورحب الأنحاء. تلك مأساة العمارة التي فقدت قيمتها الفنية وصارت مهنة مبتذلة لكل من عَرَفَ الأسمنت. وفي مجمل حديثه عن العمارة وكيف تدهورت أحوالها حكى أشرف أن جده من أمه كان من كبار تجار القطن وموردي البصل وكان يملك أراضي زراعية شاسعة. وجده لأبيه أيضاً كان ثرياً، لكن مجال عمله كان مختلفاً، فقد كان مساهماً أساسياً ومديراً إقليمياً لشركة إيطالية، تعمل في مجال المحاجر واستيراد الرخام وتصديره. وعقب زواج أمه بأبيه في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، انقلب الرئيس القومي على الأثرياء عموماً، فكان منهم جده لأمه وجده لأبيه. برغم أن جداه لم يكونا ذا صلة بالسياسة مطلقاً، وإنما كانا مشهورين بأعمالهما الخيرية ورعاية الأيتام والمعدمين، ومعروفين بالبعد التام عن السياسة. كل ما في الأمر أن الرئيس خالد الذكر كان قد انتهى من سلب أموال الأمراء والحاشية الملكية، ثم استدار إلى ما بيد الأثرياء فانتزعه بدعوى التأميم، ونثر منه على عوام الناس ليضمن تأييدهم، وأمعن في نهب واعتقال وتشريد الأغنياء باعتبارهم الأعداء. فكان الجدان من ضحاياه الكثيرين، لكن شراكة جده لأبيه مع أجانب حفظت له بعض حقوقه فلم يكن بمستطاع هؤلاء الحقراء سلب أمواله كلها، فطردوه من مصر ومات منفياً في إيطاليا. أما جده لأمه فقد سلبوا منه كل ما كان يملكه، ولمَّا أخرجوه من المعتقل مهلهلاً، مات في بيته ليلة الإفراج عنه، عقب رؤيته للفيلا التي كان يسكنها وقد صارت خربةً كبيوت الأشباح .. وقد شاء القدر لأمه أن تشهد كل هذه المآسي، لكنها لم تنكسر، وكذلك أبوه الذي قاوم الانهزام وصمد طويلاً حتى استقامت حياته في الثمانينيات، ولكنه لم يحتمل البقاء بعد رحيل زوجته. لقد تدهور الحال كثيراً ولا أحد يشعر بآلام الضحية، ولا أحد يرى الثقافة المذبوحة.

















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق