يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

حلم الإرادة الحرة ...... ابن عربى كأختيار

2019-01-11 22:03:04 منوعات ...








حلم الإرادة الحرة ...... ابن عربى كأختيار

"ابن عربى فى الخطاب الفلسفى المعاصر"

نصر حامد أبو زيد نموذجا(*)

أحمد حمدى حسن حافظ (**)

يعد التصوف - وان كان ينسب باعتباره ظاهرة شرقية اصلا - منطق كونى روحى بديل للمنطق الارسطى ، ذاك المنطق - الارسطى - المعروف بحدته وتعسفه العقلي ، وقوانينه الثلاثة التى تعد عزفا على قانون " الهوية " باعتبار الشئ هو نفسه ، والتى لا يعتد بالتناقض والتضاد و التغير الجوهرين فى الرؤية العلمية المعاصرة للعالم ، والذى يرى البعض انه المنطق – اى منطق ارسطو - الذى وقف انتشاره كحجر عثرة فى تقدم البشرية لمدة تزيد عن عشرة قرون .

" نعم لا ، وبين نعم ولا تطير الارواح من مواردها والأعناق من أجسادها "(1) الاثبات والنفى ، الايجاب والسلب ، الصدق والكذب معيارا الحقيقة و قطبى التناقض العقلى ومصدر كل تعارض اما معرفى ثنائى : كالذاتية والموضوعية ، او الواقعية والمثالية ، او الفكر والواقع ، او تعارض وجودى : كالمادة والروح ،او الله و العالم ، او الله والانسان ،او تعارض اخلاقى ودينى : كالملائكة والشياطين ،او الحلال والحرام ، او الخير و الشر ، او الجميل و القبيح معيارا الجمال ، او العقل والجنون معيارا الفاعلية ، او المتحضر والهمجى محور الجدل الحضارى ، او الرجل و المرأة محور الجدل النسوى .

ان التصوف بمنطقه هو ضد كل اشكال التمييز التعسفى فى التعارضات الثنائية بل ضد مبدأ التعارضات الثنائية اصلا ، لذا هو ضد المعايير الثنائية القاصرة على الرؤية العقلية البرهانية العاجزة للعالم . فمنطق قطبى النقيض الذى لا يحتوى احده على الاخر هو منطق ارسطى سهل يرفضه العقل الصوفى الذى يعزز التناقض فى الاشياء ولا يستبعده عقليا . تكفى هذه فقط كميزة مطلقة للمنطق الصوفى . فهو منطق لا هيراركى بل دائرى ، لايوجد فيه ادنى واعلى ، بل الكل متساو على محيط دائرة واحده فرغم اختلاف المكان تتساوى المكانه .

ان موضوع هذه الورقة ليس الفكر العربى المعاصر مع كامل الاحترام للاصل العربى للمفكر العالمى المعاصر نصر حامد أبو زيد ، ولقد كنت أنوى ان اعنون ورقتى هذه بالاتى : " خطاب ابن عربى بين الوافد والموروث " ، باعتبار ان الطرح حول ابن عربى فى زماننا المعاصر وان كان يبدوا التفاتا للتراث هو طرح غير ماضوى بالمره ، فهو يحل اشكاليات الواقع الفكرى المعاصر ، ولا سيما الفكر بصورته الغربية تلك الصورة التى اتخذت صورة المركز الوحيد للعلم .

فلم يقم علم الاستغراب بعد ، ولم تتأسس بعد مركزية عربية فكرية بديله للمركزية الاوربية فى مجال العلم و الفكر ، ولم يتحقق بعد مشروع التراث فى تواصل مع الواقع المعاصر بل بدا الواقع منفصل تماما عن التراث ، تتحكم فيه اليات غربية او كونية صرفه .

ان نصر بالنسبة لى ذاك الذى يكتب بالعربية من اجل الترجمة المباشرة والفورية للالمانية ، ذاك الذى يرقم صور القران ، ويختصر صلى الله عليه وسلم الى (صلعم ) ، ويغازل النص النيتشوى الالمانى " هكذا تكلم زرادشت " ، هو مستشرق وان كان عربيا يبحث فى تراث شرقى اصيل تميزت به التجربة الشرقية هو التراث الروحى الصوفى فى اوج تألقه فى الشرق الاوسط او العالم العربى عند محى الدين ابن عربى .

و السؤال الذى نطرحه الان هو سؤال نشارك فيه نصر هو لماذا ابن عربى الان ؟ ولكن ستختلف اجابتنا بالضرورة عن اجابة نصر ، ففى اطار عرض شيق لحالتنا الراهنه يعرض نصر : كيف ان صراعا عالميا يدور الان حول جنى ثمار الحداثة المادية بين الاغنياء او اهل الشمال والفقراء او اهل الجنوب ، فمن ناحية رأى اهل الشمال ان اهل الجنوب همج ومتخلفين يحتاجون للتنوير و التحديث ، ومن ناحية اخرى راى اهل الجنوب ظلم واستبداد وقهر اهل الشمال ، واخذوا يلملمون اشلاء ايدلوجيات مقاومه فى طبيعتها للتنوير و الحداثة الفكرية ، رغم ان مازال يتحكم فى واقعهم المادى والادارى قوانين اهل الشمال .

ان نصر هنا لا يجيب على لماذا ابن عربى الان ؟ بل يجيب على لماذا التراث الان ؟ وبالتحديد لماذا الاسلام الان ؟ وهو متاثر فى الاجابة كثيرا بالمادية الجدلية . لا شك اننا نلاحظ مثلما يلاحظ نصر ان هناك ظاهرة لصحوة الدينية فى اواخر القرن العشرين او العوده للدين على حد تعبير نصر وان كان يعتبرها نصر جزء من لملمة اشلاء ايدلوجيات تنبنى على الدين عند اهل الجنوب لتقاوم ايدلوجية الحداثة عند اهل الشمال ، وان كنا نتفق فى انه العودة الى الاصوليات الدينية رد فعل ضد الحداثة وبالتحديد ضد ملابسات جوهرية حدثت للحداثة ذاتها ، فاننا لا نرى علاقة لهذا الموضوع بصراع بين اهل الشمال واهل الجنوب بقدر ما هو صراع بين اهل الحداثة فى الغرب اوالشرق او الشمال اوالجنوب ، ومقاطعى فكر الحداثة فى الشرق اوالغرب او الشمال اوالجنوب .

يدعى مدعى ان استدعاء ابن عربى شأن فكرى عربى داخلى فهو نوع من انتقاء محتوى تراثى مستنير يقف ضد انتشار المحتوى التراثى السلفى ، وهذه فكرة جذابه ولكن هل هناك اى نوع من الحوار من الممكن ان يقوم بين تيار يقف عند الدين كشريعة اى كقانون وتيار اخر يقف عند الدين كعقيدة وايمان داخلى روحى . او هل اننا اصبحنا مجتمع انضباطى يتحكم فيه الفكر فى الواقع ، اننا مجتمعات اميه لا تقرأ اصلا الصحف اليومية فهل ستقرأ " هكذا تكلم ابن عربى " . وبالرغم من ذلك فان تسيد خطاب ابن عربى ضرورة كونية وعالمية ملحة . بل ان خطاب ابن عربى حل مقبول وخيار مطروح بعلو الصوت لحل ازمة الفكر الحداثى ذاته .

ان الجدل الفكرى المحلى الدائر حول نصر وهل يمكن ان نقول الله يرحمه ام يعد ذلك خطأ لانه كان رجل كافر ، هو جدل تافه بين فكرتين محليتين جدا ، هل الدين الاسلامى مجرد عقيدة ام ان له شريعة مطلقة مطالبين بتنفيذها . و الشريعة هى اسم قديم يعود للعصور الوسطى لما يعرف اليوم بالقانون ، وكانت تنسب هذه القوانين للاديان كى تحتل نوعا من القدسية والاحترام ، ولكن مع مرور الزمن وجد ان العقائد الدينية تتأثر سلبا بشرائعها او باطلاقية احكام شراعها نظرا للارتباطها بالقداسة والطبيعة المتغيرة للواقع وان الشرائع هى امر سلطوى فى ادارة الدول خصصت له سلطة تشريعية منتخبة او معينة اى كان الامر ، فلا يحكمنا الا القانون .

ودفاع منكرى الشريعة كالاتى : هناك اربع وجهات نظر للاسلام

1 – اسلام الفقهاء : يرجع تأسيس علم الفقه للشافعى وهو علم تجريبى وقانونى ومعيارى كان بديلا للمؤسسة التشريعية . فعندما مات الرسول وكان بالاضافة لكونه رسول قائدا سياسيا وملكا لا يورث لارض اغلبيتها من المسلمين ، كانت المشكلة لمن تؤول السلطة بعده فى البلاد ، وكانت بعده سلطة غير مستنيرة بوحى الهى فكان لابد من ضوابط قانونية لها قيل انها ستستمد من القران والسنة ، ولكن كما نعلم القران لا يقول ولكن تقول به الرجال فكان علم الفقه كعلم استشارى للسلطة . يكسبها نوعا من الشرعية .

2 – اسلام المتكلمين : هو محاولة تفسير العقيدة ووضع دستور للدول الاسلامية نابع من العقيدة

3 – اسلام الفلاسفة : هو محاولة لتفسير العقيدة تفسيرا عقليا .

4 – اسلام الصوفية : محاولة لتفسير العقيدة تفسيرا روحيا

نلاحظ ان الاسلامين الاول والثانى طغت عليهم اشكاليات سياسية ونلاحظ ان الاصل فى الاسلام العقيدة لا الشريعة .

فلماذا لانختار اسلام الصوفية فاذا كان الاسلام هو الحل فان التصوف الاسلامى هو الحل الناجع .

المشكلة ان التيارات السلفية ذو الاصول الغير مصرية تتحكم فى عقلية الدوجما محاولة عمل الدعاية لنوع واحد من الاسلام وهو الاسلام السياسى رغم ان الشعب المصرى يميل للاسلام الصوفى بدليل كمية الموالد والمقامات فى البلاد .

خلاصة القول من بحثنا هذا وبعيدا عن مجال الدراسات الاسلامية التى يعد وجودا فيه اقحام غير مناسب فان ما اردنا قوله كرد على لماذا ابن عربى الان هو اننا " اذا نجحنا فى تغييب العقلانية الحازمة (وهو ما يحدث بالفعل فلسفيا ) فلن نجد سوى الارادة التى تحركها الرغبة الفردية فى الجميل كحرية مطلقة ضد اى سلطة" هذا هو حلم الإرادة الحرة فى كل زمان ومكان ، و ليتحقق الحلم كاملا كان لابد من ان يتسيد الخطاب الصوفى- ولاسيما فى اوج تألقه فى تجربة ابن عربى الفلسفية - على الثقافة العالمية المعاصرة ، ذلك الخيار هو خيار ابن عربى ، الذى لم يكن ممكنا ان توجد شرعية له فى اى عصر اوفى اى لحظة سوى اللحظة الراهنة التى تتميز بالادماج بين الصوفى الذوقى الفنى الرومانسى المابعد حداثى والفلسفى و النسوى و الذى تعبر عن وعى ثقافى معاصر اخذ فى الاتساع على نطاق العالم اليوم .

فلاشك ان دحض العقلانية الكلاسيكية التى تميز بها الغرب كتعبير عن حداثته و انواره كان له دوافع واسباب ، عبر عنها فى أدبيات العصر بعنوان " أزمة الحداثة " ، التى كان ظهورها نتيجة ضربات موجعة موجهة لقيم الحداثة الاساسية ؛ تارة من العلم ، وتارة من السياسة .

الضربة الموجعة الاولى : كانت متمثلة في الثورة العلمية الثانية ، ثورة النسبية والكم ؛ حيث وضعت مبدأ عدم اليقين أو عدم التحديد أو عدم التأكد الذي قضى على الحتمية العلمية المنهجية , وحول العلم إلى كم من الاحتمالات التي لا تنبئ عن يقين , كما انخرطت العلوم الطبيعية في الذاتية بل و المثالية بل واحيانا التأملية , فأصبح العلم ذاتي وليس موضوعي كما كان يعتقد ويرجع الفضل في ذلك للفيزياء الحديثة(2) . وهذا بالطبع اثر على سيادة السلطة العقلية والوضعية . و لا شك أن تعميق الثورة العلمية الثانية بالثورة العلمية الثالثة أي ظهور العشوائية و الديناميكا اللاخطية أزاد من أيجاع الضربة.

أما الضربة الثانية : فكانت متمثلة فيما تمخضت عنه الثورة الصناعية من أثار تدميريه واستنزافيه للبيئة أدت إلى الكثير من الأزمات البيئية و الكوارث , وفتحت الباب أمام التنبؤ بسيناريوهات للنهاية البيئية المتوقعة , فتحول تقديس العلم و التكنولوجيا إلى عداء مباشر بين الإنسان والعلم والتكنولوجيا . و لا شك ان تغير نمط الاقتصاد فى ما يعرف بما بعد الاقتصاد(3) او المرحلة الاخيرة من التطور الراسمالى او لامادية الاقتصاد او ما يمكن تسميته بمجتمع المعلومات او ما بعد التصنيع قد عمق دور التكنولوجيا لنصل معها الى النقطة التى يكون التراجع عنها مستحيلا , فينعكس ذلك على أزمة البيئة فنشعر بياس كامل تجاهها وقرب لنهايتها.

وكذلك نجد أن حرية الفرد – وهى احد اهم مقولات الحداثة الغربية - قد أصبحت حلما بعيد المنال , فالديمقراطية الغربية التمثيلية الناشئة عن الادارة الرشيدة التى هى انعكاس للعقلانية قد تحولت للعبة في أيد مجموعة من الرعاع او العصابات المسيطرة , تجيد استخدام فنون الدعاية الانتخابية , وأصبحت سلطة العقل والتشريع أقسى قهرا للإنسان, و ظهر الخطر النووي بعد حربان عالميان تجسد خواء العقلانية من مضمونها .

أن الشعور بأزمة في الحداثة قد سيطر على المجتمع الغربي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية . وكانت ردود الفعل على أزمة الحداثة متمثلة فى واحد من ثلاثة :

1 – رد فعل النكوص آي العودة إلى ما قبل الحداثة ، حيث ظهرت وتأصلت النزعات الأصولية الدينية بالإضافة إلى الدعوى لدراسة علوم الثقافات القديمة و إحياء التراث العالمي القديم ، واتجاه الناس إلى الخرافة والسحر والدجل والشعوذة مرة أخرى . ومنها ظهور قوى للتصوف كما فى حالة نصر .

2 – إنكار وجود أزمة في الحداثة ، واعتبار أن ما تمر به الحداثة ما هو إلا عقبات طبيعية يمكن للحداثة أن تتخطاها ؛ باعتبارها حركة نامية متغيرة وليست ثابتة ، فهي تملك القدرة على تغير مسارها والخروج من العقلانية الاداتية الى عقلانية تواصلية اكثر نضوجا ( وحتى إذا تم الاعتراف بمفهوم ما بعد الحداثة يكون من باب اعتباره جزاء متقدما من الحداثة وحداثة أخرى وليست انقطاعا وقطيعة للحداثة ) تمثل رد الفعل هذا عند الفيلسوف الالمانى المعاصر هابرماس .

3 – ظهور ما بعد الحداثة معتمدة على الميراث الإنساني الرافض للتنوير ( المتمثل فى نيتشه على وجه الخصوص ) منذ العصر الرومانسي إلى الآن . وهو الموقف الشعبي العالمي الذي استخدم آليات الآداب والفنون لينتشر . فتعد حركة الرومانتيك هى الميراث النظرى الاكبر لما بعد الحداثة باعتبارها حركة مضادة للتنوير(4). ولنقرأ ما كتبه جمال مفرج عن الحركة الرومانتيكية :

" فلقد حاولت الروح الهندسية – يقصد بها ديكارت - أن تخضع الحياة للعقل وتحولها بذلك إلى أنماط آلية وتحط من شأنها (5) " متألقه فى حركة" الوضعية " التى نادى بها أوجست كونت فى القرن التاسع عشر مبنية على مقولة " انكساجوراس " الشهيرة : " فقى البداية كل شيئ كان فوضويا ، إلى أن جاء العقل ، وخلق النظام "(6).

" إن العقل يتغلغل فى العالم قادما من الخارج ، فى شكل ألوهية تغوى الإنسان بمثل عليا وأهداف لا سبيل إلى بلوغها . فالاله الموهوم يصبح " إبليساً يخنق كل حياة "(7). وهكذا فإن جوهر تطور الإنسانية ، أى ما يسمونه تقدما ، هو صراع ظافر للفكر ضد الحياة . والنهاية المتوقعة لهذا الصراع هى دمار الحياة ."(8)


















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق