كلنا بنحب الكتابة
#اربح_من_الكتابة_بحرية_تامة
سجل حسابك بالموقع الان

قراءة في رواية عزازيل

2018-09-04 19:59:08 اقلام و اراء ...






كتبها: رجب منى السيد.

عندما فكرتُ أن أكتب عن عزازيل، أحسستُ بالحمق والجرأة، لسببين: فمن أنا لأكتب عن تحفة تجمع بين الخيال والتأريخ؟

والسبب الثاني وليس الآخر، هو أن كتابتي مستفزة. فمثلاً: قرأتُ الإهداء فوجدته يقول: تلك آيتي التي لم تُجعل للعالمين.. فقلتُ لنفسي: من هو حتى يقول أن آيته لم تُجعل للعالمين؟ وكيف يقرُّ ضمنياً بأن الكتب كل الكتب ليست للعالمين، فالأبيض يبدو غامقاً عن بُعد، وكل كتاب ستجد لاعينيه والغاضبين عليه، وبالتالي فهو ليس للعالمين، مهما أن كان لون ذلك الكتاب.

ولقد كان السبب الأول، سبباً كافياً، لأكتب عن عزازيل.. فلو أنني لم أكتب عن العوالم الجديدة المنبعثة، فعن أي شيء إذن سأكتب؟!.. وهَنذا خاضع لسطوة قلمي، لشيطاني الظريف، وتارك أمري للكتابة، فهي التي تكتبني.

كلٌ يرى بعين قلبه

حِرفةَ السرد:

- يأخذني الكلام إلى أحابيل السرد البديع. المزج الخيميائي بين عقل الباحث المتمنطق وعقل الأديب حرُّ الخيال.. وإن كانت الحيلة السردية غير جديدة، إلا أنها ندرة الوجود جداً، وستظل حيلة يكتب بها من يجدر على الإبداع بها.

إن للرواية مقدمة كمقدمة الكتب المترجمة أو الأكاديمية، وهي مقدمة مكتوبة بقلم باحث متخصص في التراث والمخطوطات.. أما الرواية نفسها فلها لغة سماوية، أو قلّ أنها لغة بديعة السمو الأدبي إن جاز الوصف. وتلك هي حيلة السرد الأولى..

وجود هوامش أسفل بعض الصفحات، مثل تلك الهوامش المستخدمة في الكتب الأكاديمية والمترجمة، لهو حقاً إلتزام بالجوهر العام للسرد، إذ أن الروايةتُوهبَ صياغتها على أنها رقوق غابرة بلغة غير عربية، وتمت ترجمتها للعربية.. كما أن وجود شروحات هامشية على رقوق بلغة غير عربية، لهو أمرٌ يدعو للتأمل، وللسؤال: ما الفرق بين العرب الذين تكلم عنهم الكاتب باقتضاب في عزازيل، وبين الرجل العربي الذي دوَّن ملاحظاته فوق رقوق الراهب هيبا؟.. فكأنه أثرٌ، أو علامة دالة على التطور الحاصل للعقل العربي، بعدما اندس العرب بين أمم التدوين، فصار للعرب تاريخ مكتوب. ولقد قال هيبا بطل الرواية أنه لم يتحمس لتعلم العربية لأن أهلها لا يعرفون التدوين، وكان الراهب هيبا يتكلم بأربعة لغات: العبرية، الآارمية، القبطية، اليونانية.. ربما تكون التعليقات والحواشي المكتوبة على أطراف الرقوق، يكون قد كتبها الشيخ الرئيس ابن سينا، مثلاً!

ويبدو أن الكاتب قد اهتم جداً بصناعة سرد جذاب، ومشوق، ومن أجل ذلك اضُطر أن يسبغ الشيء الكثير من البهجة والورود خلال رحلة الثلاثون رقَّ. وأعلمُ أن هناك قاريء نابه، سيسأل: أي بهجة وورود في تلك الرواية الملبدة بالكآبة.. وسأقول له: هو قلمٌ يمشي الهوينا في الجحيم.

تبتديء الرواية برقَّ اسمه: بدء التدوين. وتُختتم برقَّ اسمه: قانون الإيمان!.. ويذكر الكاتب في الرقَّ الأول اسم سيدة اسمها: مرتا. ذكرَ اسمها مرة واحدة فقط وفي عبارة مقتضبة من الرقَّ الأول، ولكنه لم يكلمك عن مرتا بوضوح واستفاضة إلا في الرقَّ التاسع عشر. وذلك هو بالضبط ما أقصده بالجذب والتشويق.

وللكاتب حيلة سردية، طريفة، وهي أشبه بالوردة.. فمثلاً: في الرقَّ الأول سوف ترى الكاتب وهو يشرح لك شكل المكان، ليكون للقاريء وجود في الرواية، وخلال ذلك الشرح ستجده يخبرك بوجود صندوق خشبي في زاوية الغرفة. هو لم يتكلم عن ذلك الصندوق إلا ليذكر لك التالي ذكره: الراهب هيبا طبيب، وهو لا يأخذ مقابل مادي لعلاجه الناس. الحكيم أبقراط هو أول من دوَّن الطب. هل وسوس عزازيل لأبقراط حتى يدون الطب؟. الراهب هيبا سوف يضع الرقوق في ذلك الصندوق. الراهب هيبا لم يذكر اسمه الحقيقي ابداً.

نقد لغة الحوار:

- لغة الحوار بين شخصيات الرواية فيها الكثير مما أعجبني، والقليل جداً مما لم يدهشني.. سأقول: الشخصيات الأنثوية في الرواية لم يكن حوارها محملاً بلغة أنثوية، كلام الأنثى لا يشبه كلام الأنثى، حتى في تلك المشاهد التي تجمعه بأوكتافيا أو تجمعه بمارتا، وفي تلك المشاهد البديعة، لم تكن الأنوثة إلا بفضل السرد العبقري.. أما عن بقية الشخصيات، فكان حوارها متقن جداً، فلغة حوار تيودور المصيصي كانت محملة بالانهاك والتعب وبالحكمة والوقار الدال على عظمته.. ولغة حوار نسطور كانت فعلاً ترسم شخصيته وتعبر عن عقله وقلبه، لغة نسطور تليق بما قيل على لسانه من أقاويل بالغة الحكمة.. ولغة حوار عزازيل ما أبدعها، تم حبكها بصنعة حريف. وبالطبع لغة حوار الراهب هيبا هي الأصعب، والأتقن، والأعمق.. لغة حوار الراهب هيبا التزمت بالسياق المتداعي، أو التزمت بتقلبات الأحوال وتغيرات الحياة.



الأعاجيب:

- الراهب هيبا عجيبٌ جداً، ولم أفهمه.. لم أفهم سرَّ تمسكه بالمسيحية، ولم أستسيغ إصراره على البحث عن أصل الديانة.. فهذا الراهب قد شاهد مقتل أباه على يد مسيحيو بلدته، ومع ذلك تراه يرحل عنهم ويذهب للبحث عن أصل الديانة، بدلاً من لعن أهلها!.. في منتصف الرواية حيث تنقلب فعلاً موازين السرد، يلتقي هيبا بأستاذة الزمان "هيباتيا" ويشهد بنفسه مقتلها واغتيالها البشع على يد مسيحيو الإسكندرية. فيهرب هيبا من الإسكندرية ليبحث عن أصل الديانة، بدلاً من لعن أهلها!.. إن هيبا لم يعرب عن غضبه إلا بخلعه لزيَّ الرهبنة، وتمزيقه للصليب المعلق على رقبته، ثم رحل مغادراً أهل الإسكندرية، وبعد ساعات من مقتل هيباتيا ستجده وهو يعمَّد نفسه حتى ينضم إلى المعمودية! ليكمل البحث عن جوهر الديانة.. ولكنه بعد مقتل هيباتيا، قرر أن يتخذ لنفسه اسم هيبا، وهو النصف الأول من اسمها.

هل كان الراهب هيبا نصف مسيحي ونصف وثني؟ فهو استمد أدوات عقله من علوم الوثنيين، واستمد عقيدته من المسيح.. وهو الذي شاهد بنفسه عوام المسيحيين في بلدة إسنا وهم يخربون المعابد والرسومات، ومع ذلك يصرَّ على اتخاذها ديانة له!

وهنا سألتُ نفسي: أي ازدراء وجهه الكاتب للديانة؟.. إن موقف الراهب هيبا لهو الأجدر بالدفاع عن جوهر الديانة. لم يبرء تلك الديانة من الدم إلا الراهب هيبا.

- ومن المفارقات المضحكة والتي تدعو للتأمل أيضاً، لحظة تعارف هيبا على أوكتافيا.. فأثناء عومه في البحر كاد أن يغرق، وأخذ يعافر لينجو بنفسه، ورأى أن أحداً ما على الشاطيء ينبهه ويشير له بيديه، وبعد عناء استطاع أن ينجو بنفسه، ويخرج إلى الشاطيء، فيلتقي بأوكتافيا.. هيبا كان يظن أن اوكتافيا مرسلة من عند إلهه لتنقذه من الغرق.. وأوكتافيا كانت تظن ان الآلهة قد أرسلت لها محبوبها المكتوب لها عبر البحر، تظن أن بيسدون أرسل لها هيبا.

ضمته أوكتافيا إليها وأحبته، وعشقته، وكان يعني لها الوجود كله.. وبعد ثلاث أيام يعترف لها بأنه مسيحي، فإذا بها تغضب عليه، وتلعنه، وتطرده، بمجرد أن عرفتْ أنه رجل مسيحي!

هيبا:

- كتب هيبا ثلاثون رقَّ، لم يذكر فيهم اسمه الحقيقي الذي اختاره له أبواه، وفي ذلك إشارة عميقة لجوهر الإنسان، ولفيمة ما يختاره الفرد لنفسه.. هيبا الذي ولدَ بأسوان، وتعلم المنطق والفلسفة والعلوم في أخميم، وطمح في شبابه المبكر أن يتخصص في اللاهوت المسيحي، ثم يحدوه طموح أكبر فيسافر إلى الإسكندرية ليتبحر أعمق في تعلم الطب.. هيبا الباحث عن جوهر وأصل الديانة، فتش عنها في صعيد مصر، وفي الإسكندرية، وفي نواحي الأسنيين، وفي أورشاليم، وفي حلب.. هيبا المحتار بين عقل واعتقاد.. هو تلميذ أفلوطين مؤسس الفلسفة المحدثة، وأيضاً تلميذاً للسيد المسيح.. لم تكن الديانة عنده إلا تحدياً للعدم.. وكانت الكتابة عنده تعني الخلود كما علَّمه عزازيل.. وهو المحبوس بين شهواته وعقيدته اللاعنة لشهواته. هو المطحون بين التناقضات، هو يريد المرأة، وعقيدته تراها دنس ومدعاة لحضور الشياطين.. وتضربه التناقضات بين طهر ودنس. هو المحتار.

الحضور:

- الرقَّ الثامن والعشرون، هو بعنوان: الحضور.. يبدأ ذلك الرقَّ بكلمة: غبتُ.. وعندما رأيت رقَّ بعنوان الحضور يبدأ بكلمة غبتُ، تذكرت فوراً محمود درويش وهو يقول: قل للغياب: نقصتني، وأنا حضرتُ لأكملك.

كأن في الغياب حضور، وفي الحضور غياب.. هكذا يحارب هيبا العدم.

يتجلى عزازيل بقوة في ذلك الرقَّ، ويعلن عن نفسه لهيبا بكلماته العجيبة، إذ أن عزازيل هو أطيبهم قولاً.

يقول عزازيل:

الموت لا معنى له. المعاني كلها في الحياة، أنا حيٌ دوماً، ولن اموت إلا بموتك، وموت المؤمنين بيَّ،

والمكتشفين وجودي فيهم.. وليس من حقك أن تميتني، بموتك قبل الأوان.

هيبا: وكيف أحيا، وقد جرى كل ما تعرفه؟

يقول عزازيل:

تحيا يا هيبا لتكتب، فتظل حياً حتى حين تموت في الموعد، وأظلُّ حياً في كتاباتك

اكتب يا هيبا .. فمن يكتب لن يموت أبداً




















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق