كلنا بنحب الكتابة
#اربح_من_الكتابة_بحرية_تامة
سجل حسابك بالموقع الان

قيامة أرطغرل .. ربيع أمة (دموع الورده)

2018-03-13 11:07:23 قصص و حكايات ...








  • (الشخص الذي لديه القوة والسلطة) …
    هذا هو المعني الحرفي لكلمة “قايي”، و”قايي” هو اسم القبيلة التي تنحدر منها السلالة العثمانية، تلك السلالة التي نجحت في تكوين إمبراطورية بحق، فقد استطاعت أن تمتد لأكثرمن ستمائة عام أخذت خلالها في الاتساع والتمدد حتى شملت أراضيها رُقعًا كبيرة من  قارات العالم القديم الثلاث، آسيا وأوروبا وإفريقيا، والسبعة بحار التي تربط بينهم؛ تلك السلالة التي حكمت العالم الإسلامي لخمسة قرون كاملة.
    تنتمي قبيلة أو عشيرة قايي التركية إلى الأتراك الأوغوز الذين نزحوا من بلاد كردستان إلى آسيا الصغرى المعروفة بالأناضول جراء الغزو المغولي بقيادة جنكيز خان الذي اجتاح المناطق التي كانوا يخيمون فيها، فحملوا متاعهم وصاروا إلى أرض الله الواسعة ، أربعمائة خيمة ومائة أسرة تضم حوالي أربعة آلاف شخص منهم أربعمائة محارب في حل وترحال .. حملوا كل ما يملكون في هذه الحياة وهاموا في الأرض يبحثون عن الموطن الأكثر أمانًا والأفضل طقسًا والأوفر غذاءً ومرعى .. ولئن كانت هذه هي الحياة التي اعتادوها إلا أن النزوح آمنًا مطمئنًا يختلف كثيرًا عن النزوح فارًا من الموت، هنا تتجلى روح القائد الذي يمتلك القدرة على بث الطمأنينة في قلوب عشيرته، هنا يظهر أرطغرل، القائد، الشجاع، الذي ما لبث أن تولى أمر عشيرته عقب وفاة والده “سليمان شاه” – بحسب الرواية الأشهر – أو “ألب كوندوز” بحسب مصادر عثمانية مهمة مثل “دستور نامة” ومسكوكات نقدية عُثِرَ عليها لاحقًا نُقِشَ عليها “عثمان بن أرطغرل بن كوندوز آلب”.

    أيامًا طويلة قاد فيها أرطغرل عشيرته باحثٌا عن الحياة والأمل، مسؤولية كبيرة لم تكن لتكلل بالنجاح لولا حكمة هذا الرجل ورباطة جأشه وثقته الكبيرة في الله، مساحاتٍ شاسعة مروا بها خلال ترحالهم، فعبروا أراضي إيران من ساحل بحر قزوين ووصلوا إلى أخلاط قصبة أرمينيا الصغرى وسكنوا لفترة في مراعيها، وظلت الرحلة مستمرة. ربما وحده  القدر الذي ساقهم إلى أراضي سلاجقة  الأناضول لتتغير بهم خارطة العالم بعد ذلك !!
    على الرغم من أن الأتراك قد دخلوا إلى الإسلام في وقت باكر، وانخرطوا في جيوش الخلافة العباسية بشكل كبير، حتى أصبح لهم الغلبة والسيادة منذ عهد الخليفة المعتصم، إلا أنهم ظلوا طيلة هذه الفترة من الناحية العقائدية يعيشون حالة من الانتقال من الوثنية إلى الإسلام. ولما خلف أرطغرل أباه بدا وكأن وقت الاختبار الحقيقي لعقيدة هؤلاء الرعاة الرُحّل قد حان ؛ ففي عام 1230م وبينما أرطغرل سائرًا بعشيرته فإذا به يسمع عن بعد جلبة وضوضاء، فلما اقترب منها وجد قتالًا شرسًا بين فرقتين؛ استطاع بسهولة أن يميز أن إحداهما هي إخوانه من المسلمين السلاجقة، بينما الأخرى من الروم البيزنطيين – وتذهب بعض الروايات إلى كونهم  من المغول – وكانت الغلبة حينها تصب في كفة الجيش البيزنطي، فما كان من أرطغرل إلا أن اندفع برجال عشيرته القليلي العدد المنهكي القوى جراء السفر الطويل اندفاع المؤمن المخلص لدينه، المنجد لإخوانه من المسلمين، دون أن يفكر لحظة فيما قد تؤول إليه الأمور، طغت عقيدته الدينية – المتمثلة في حب الجهاد في سبيل الله – على فطرته البشرية التي تنشد السلامة وحب الحياة والبعد عن المخاطرة المجهولة العواقب.  
    ولا ريب أن الحياة البدوية القبلية لأرطغرل ورجاله  قد لعبت دورًا هامًا في ذاك المشهد، إذ أن بيئتهم القاسية قد نمت الروح القتالية لديهم وجعلتهم دائما على أهبة الاستعداد لخوض المعارك دفاعا عن أنفسهم وممتلكاتهم. وهم بالإضافة لذلك يتبعون سياسة مبسطة لإدارة القبيلة بوصفها دولة صغيرة، رجالها بطبعهم محاربون يمتثلون لأوامر قائدهم بالقتال متى طلب منهم ذلك. لذلك – وبدون تردد – انطلق الرجال شديدو البأس بكل ثبات وشجاعة  لنصرة إخوانهم، فانقلب الحال بعد أن كان  المسلمون على وشك الهزيمة المؤكدة، ومنّ الله عليهم بالنصر، فكان هذا اللقاء المفاجئ بمثابة طوق النجاة لدولة السلاجقة التي دب الضعف في أوصالها. وقد كان السلطان السلجوقي علاء الدين كيقوباد من الذكاء والحكمة بأن قرر أن يحافظ على هؤلاء الرجال تحت لواء دولته الموشكة على التهاوي؛ في الوقت نفسه لم يكن بإمكانه الركون إلى إخلاصهم التام له إذا ما انخرطوا في قواته واستخدمهم في مواجهة الخوارزميين الذي كان يحاربهم في ذلك الوقت أو في مواجهة المغول، لذلك فقد أغدق على أرطغرل الخُلع والهبات، وأقطعه أرضًا خصبة  ليستوطنها هو وعشيرته بالقرب من أنقرة. ولما اجتهد أرطغرل وأخلص في مساندة السلطان السلجوقي أقطعه أرضًا أخرى في أقصى شمال غرب الأناضول، على حدود دولة السلاجقة الآخذة  في الإنكماش لصالح الدولة البيزنطية، في تلك المنطقة المعروفة باسم “سوغوت” قرب مدينة أسكي شهير، وهناك  بدأت العشيرة مرحلة وحياة جديدة لم تعهدها من قبل بجوار بعض العشائر الأخرى التي قد هاجرت واستقرت في نفس المنطقة في وقت سابق.
    انتقل أرطغرل ورجاله من حياة البداوة والترحال إلى حياة أكثر استقرارا، فهم الآن يقطنون أراض هم مالكوها، باتوا يشعرون تجاهها بالانتماء والمسؤولية، في الوقت الذي اعتبرهم السلاجقة فيه يؤدون دور الحامية على الحدود البيزنطية. وبمرور الأيام أثبت أرطغرل ورجاله شجاعة باسلة في المعارك، وأظهروا مهارة قتالية عالية مما دفع السلطان علاء الدين للتفكير في استغلال مواهبهم العسكرية بصورة أوسع بعد أن كان هدفه في البداية مجرد حماية حدود دولته والإستعانة بهم في التصدي لأي هجوم بيزنطي محتمل، فلم تمضِ فترة قصيرة حتى منحه لقب “أوج بكي” وهو تقليد متبع في الدولة السلجوقية بأن يمنح هذا اللقب لرئيس العشيرة الذي يعظم أمره، ويستطيع أن يضم تحت لوائه عددا من العشائر الصغيرة ليكونوا معا جبهة قوية تنجح في الحفاظ على حدود الدولة؛ لكن أرطغرل لم يقنع بهذه القطعة من الأرض ولم يشبع هذا اللقب روحه المتقدة المتطلعة للجهاد، لم يكن من الممكن لشخصية رجل مثله أن يجلس بجوار خيمته  ليتابع عن بعد أغنامه الهائمة في السهول وعلى مقربة منه تناديه أراضي الجهاد.
    استطاع أرطغرل بقوته وحكمته وذكاءه الحاد وصدى انتصاراته المدوي أن يُغري فئات مختلفة من المسلمين بالقدوم إلى هذه الأرض المفعمة بالأمل، فعلى تلك الأرض وجد كلٌ ضالته المنشودة؛  المجاهدون أقبلوا من مختلف أنحاء الدولة الإسلامية التي كانت على شفا الإنهيار لينضموا تحت لواء القائد الجسور المجاهد، والمزارعون والرعاة الفارون من وحشية المغول وجدوا الأراضي الخصبة والمرعى الغني في ظل ثلة من الأبطال تحميهم، وتهافت الدروايش والمشايخ  من كل صوب حيث المريدين.
    ولعل روح الحماس المتقد للدفاع عن الدين الإسلامي، مع وجود محاربين أقوياء، والثقة والطاعة المطلقة لقائدهم أرطغرل، وإجماعهم على ضرورة المحافظة على وحدة الإمارة الصغيرة الناشئة، بخلاف بقية الإمارات الأخرى التي نشأت بالتوازي معهم وكانت تسمح بتجزئة الإمارة بين أكثر من وريث، وتكوين تحالفات قوية مع الإمارات المجاورة، كل هذه العوامل عملت معا على قيام واستمرارية دولتهم؛ لتتحول هذه القطعة من الأرض من مرعى للأغنام إلى رباط  للجهاد في مواجهة الأراضي البيزنطية التي لم تهنأ منذ جاورهم أرطغرل ورجاله!  
    نصف قرن قضاها أرطغرل على تلك الأرض نجح خلالها في تنظيم صفوفه، واستطاع أن يشعل لهيب الأراضي البيزنطية المجاورة فتسقط أراضيهم الواحدة تلو الأخرى، نصف قرن اتسعت فيه أراضيه لتبلغ مساحة الإمارة في عهده أربعة آلاف وثمانمائة كيلو متر مربع، وتقديرًا لفتوحاته وغزواته فقد مُنِحَ لقب آخر وهو لقب “الغازي”. توفي – رحمه الله- عام 1281م عن عمر يناهز الثالثة والتسعين عامًا، ودفن في “سوغوت”.
    ربما لا تسعفنا المصادر التاريخية لنخوض في سيرة البطل العظيم أكثر من ذلك، إلا أن نبتته الأروع التي وهبها إلى هذه الحياة كانت (عثمان)، الأمير الذي عُرِفَ منذ صغره بشجاعته وبسالته، وأثبت نفسه في ميادين القتال، وانغمس في المهام السياسية والإدارية منذ عهد والده، وكان خير أمين وراعٍ للنواة التي غرسها أرطغرل و إنبثقت منها أقوى سلالة سلاطين حكمت الأرض. عثمان الذي وُلد في نفس عام سقوط بغداد ليحمل الأمل لهذه الأمة في وقت اتشحت فيها أراضي المسلمين بالسواد، عثمان غازي الذي تولى مقاليد الأمور في الثالثة والعشرين من عمره فسار على خطى والده، وبعث ربيع هذه الأمة ثانية عقب سقوط دولة السلاجقة وأعلن قيام الدولة العثمانية، تلك الدولة التي ارتبطت نشأتها تمام الارتباط بالإسلام والجهاد في سبيل الله. وفي هذا الصدد يقول المستشرق الألماني كارل بروكلمان: ” إن المئات ممن كان يطلق عليهم اسم المجاهدين، كانوا يفدون إلى التخوم المواجهة للبيزنطيين، للإنضمام إلى عثمان حبًا لما يعرف بالجهاد في سبيل الله”.
    ومنذ هذا الحين توالت الفتوحات والانتصارات .. لقد ترعرعت نبتة أرطغرل وأزهرت #ربيع_أمة بني عثمان !!  

















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق