يمكنك الكتابة معنا بالموقع
الكتابة بحرية تامة
سجل حسابك بالموقع الان انه مجاني

سراب الأمل

2018-12-17 18:49:05 شعر و أدب ...






تتناثرُ حُبيباتُ
العرقِ على جبينِ السّماءِ، ويُمسكُ الفتى بكلتا يديهِ ألواحَ الزّمنِ المبنيّة
على شواهدِ القبورٍ كي يمنعَ انزلاقَ فٌتات الأيّامِ مِنْ فوقِ الموتى. يحملُ
عُريَ المفاهيمِ القديمةِ ويُلقيهَا على ما تبقّى من بصيصِ أمل يظهرُ أحيانا من
بينِ شُقوقِ الذّاكرة: طيرُ الهامةِ لم يعد مستلقيا فوقَ الرّخامِ بل حلّقَ بحثا
عن ممكنات جديدة للثّأر من قاتلي التّاريخ.



هكذا نكذبُ على
أنفسنَا، ونحاول أن نصدّق رؤيا الأيّام الّتي تتلحّفُ السّرابَ وتغطّي بصيرةَ
الفتى: ليسَ هذا ما سيصيرُ حتما، سيصيرُ ما نريدُ أن يصيرَ لأنّ بعضَنَا يستطيعُ
أن يتحكّم في اختياراتِ الّزمنِ، ويستطيعُ أن يخلقَ سلّما نحو الزّمان حيثُ يوجدُ
كلّ شيء ولا شيءَ يفنى. الأبدُ قريبٌ من أعينِ الأشقياءِ: نَفَسٌ أخير ونصل، لم
تكن الطّريقُ طويلة بل مرهقة. نتحايلُ على المفاهيمِ كي نصدّق نبوءتنا الأخيرةَ
ونمضي محمّلينَ بكلّ ما في الحياةِ من معانيَ مفقودة كي نجدَ المفاتيحَ نحوَ
بلوغها: لا يرى الفتى ما يراهُ، بل ما قالَ لهُ ذهنهُ. والذّهنُ رميةُ نردٍ أخرى
في رقعة الفراغِ، قد تصيبُ وقد لا تصيبُ، وفي كلتا الحالتينِ فالمشهدُ واحد: فشلٌ
آخر كي يمضي
الفتى نحوَ الفوزٍ بالبقايا. يضعُ الفتى قلبهُ على
مشرحةِ التّاريخِ: مازالَ آدمُ يقبعُ فيهِ ويفتّش عن ضلعهِ، ربّما فقدَهُ حينَ بكى
اللّيلَ في أساطيرِ القدامى فلم يصبهُ سهمٌ كي يموتَ مثلما ماتوا، ويُصابَ بصداعِ
العاطفة. يحاولُ أن ينهارَ فيفشلُ لأنّ حوّاءَ مسكتْ يدهُ وقادتهُ نحوَ فراديس لم
تبلغها حواسّه من قبل: هنا سيكونُ لنا جِنانٌ من العالم السّفليّ، وسوف نصغي
لأغاني الحياةِ كلّ يوم حينَ يستيقظُ الموتى من سباتهم ويرتّلونَ ما يحفظونهُ من
آيات الحبّ السّرمديّ. يستلقي الفتى فوقَ قاعِ السّماء، يعزفُ أناشيدَ ضحايا
البكاء، يغمسُ أوتارَ نايِهِ بحزمة من دماء: كنّا/نكون/سنكون، صرنا/نصير/سنصير،
والزّمنُ يحفرُ آثارهُ في قلوبِ الجبالِ كي تنثرها الآلهةُ فوقَ جباهِ العطاشى
للانبعاثِ من رمادِ الأساطير. تنحتُ الأحلامُ خيالَهُ، تمتطي الخيلُ غيومَ
أيّامِهِ وتغطّيها بالأسودِ اللّازورديّ، تنثقبُ السّماءُ وتُنزلُ منها خيطا رقيقَ
الوزنِ وخفيفا على القلبِ، تحتلّ الأنهارُ مُحيطَ خصرهِ: ينظرُ إلى نفسهِ في
النّهرِ فتسقطُ فيهِ العذارى ويخرجنَ من الماءِ بدفوف يرقصنَ على موتِهِ المتجدّد.
هكذا ينبعثُ الفتى قبل أن يموت، وتموت بينَ يديهِ كلّ الممكنات الّتي حاول أن
يعدّدها حينَ سكبتِ السّماءُ دموعها ثمّ أعادتها إليها كي تستمرّ دائرة الحياة كما
شاءت لها أن تستمرّ: جبينُ السّماءِ يرشحُ بالمعاني المفقودةِ، والمعاني الّتي
يحاولُ الفتى أن يغزلها كلّما جنَّ العجزُ في كلماتهِ. يحاولُ أن يسطّر التّاريخَ
على جلد هابيلَ، ويبحث عن قرابينَ جديدة لم يعهدها القدامى كي يفاجئ بها نفسهُ قبل
أن يتفاجأ المتقدّمونَ.



-البيتُ قريبٌ، فلمَ
لا أعود؟



-لا تقاسُ المسافةُ
بالزّمن.



-بمَ تقاسُ إذن؟



-بالقلبِ.



-لكن، لا قلبَ لي.



-إذن، لن تعود..



ويبحثُ الفتى عن
ممكنات جديدة نحوَ العودة إلى فردوسهِ الأصليّ، ربّما لم يكن يملك ما يكفي كي يخلق
فردوسا أرضيّا يحيا فيهِ وبهِ، وربّما كلّما اتّسعَ الخيالُ ضاقَ الواقعُ وصارَ
يبحثُ عن الغوصِ في عالمِ متخيّل أثاثهُ اليوميّ، واليوميّ فيهِ هو الزّمنُ
القادمُ من بعيد لكن زمنٌ متشكّل من سراب.



تتناثرُ حُبيباتُ
العرقِ على جبينِ السّماءِ، ويُمسكُ الفتى بكلتا يديهِ ألواحَ الزّمنِ المبنيّة
على شواهدِ القبورٍ كي يمنعَ انزلاقَ فٌتاتَ الأيّامِ مِنْ فوقِ الموتى. يحملُ
عُريَ المفاهيمِ القديمةِ ويُلقيهَا على ما تبقّى من بصيصِ أمل يظهرُ أحيانا من
بينِ شُقوقِ الذّاكرة: لا تكذب على نفسك وصدّق رؤياك سيمشي في دمك من أسدل غصنه
على جرح قلبك، لا تصدّق نفسك وصدّق رؤياك ستمشي وحدك في جنازتك..


















نحن نقدر تعاونك
من فضلك اختر نوع التجاوز




شاهد ايضا




التعليقات

  • اكتب تعليق




مواضيع جديده



افضل 30 كاتب هذا الاسبوع

اكثر المواضيع مشاهدة علي الاطلاق